محاضرة/ د.ثشتيوان علي عبدالقادر

"حق تقرير مصير الشعب الكوردى"

 

 

 9/8/2008

 

 

 مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير

تمهيد:
  نالت المسائل المتعلقة بحق الشعوب في تقرير المصير اهتماما واسعا من قبل الزعماء السياسيين والباحثين في المجالين القانوني والسياسي، ولاسيما في فترة ما بين الحربين العالميتين (الأولى والثانية). فبعد الحرب العالمية الأولى استطاعت الدول الاستعمارية- ولاسيما بريطانيا وفرنسا- السيطرة على أراضي العديد من الشعوب، ولاسيما قارتي آسيا وإفريقيا وأماكن أخرى من العالم، وتم ترسيخ هذه السيطرة قانونيا من خلال نظام الانتداب الذي أقرته هذه الدول من خلال عهد عصبة الأمم، وظل هذا النظام عائقا أمام استقلال الشعوب وممارستها لحقها في تقرير المصير. إلا انه، بعد انتصار الثورة الروسية عام 1917، وانتهاء الحكم القيصري، وترويج زعمائها لحق تقرير المصير في كثير من الكتابات، وتوجيه انتقادات لاذعة لنظام الانتداب، استطاعت بعض الشعوب تقرير مصيرها وإعلان استقلالها، كما كان الحال بالنسبة للشعب الفنلندي.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، استطاعت الكثير من الشعوب ممارسة حقها في تقرير المصير وتأسيس دولتها المستقلة، وكان نضال هذه الشعوب ومقاومتها لنظام الانتداب الاستعماري عاملا أساسيا لتمكن هذه الشعوب من ممارسة هذا الحق، إلى جانب عامل آخر مهم وهو تأسيس منظمة الأمم المتحدة التي عملت على تدوين حق تقرير المصير والنص عليه في ميثاقها، وتأكيدها إياه في الكثير من قراراتها، ولعل أهمها قرار الجمعية العامة رقم(1514) عام 1960، الذي شكل أساسا قانونيا مهما لاستقلال الكثير من الشعوب ولاسيما في الستينيات من القرن الماضي.

شهد مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، وإمكانية ممارسة الشعوب غير المتحررة لهذا الحق ركودا واضحا، بسبب اشتداد الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي في بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي. وعلى كافة الأصعدة السياسية والقانونية والاقتصادية والثقافية، أصبح هذا الصراع عائقا أمام الشعوب لحصولها على حقها في تقرير المصير، على الرغم من نضالاتها وتضحياتها، إذ أن بعض الدول المنتمية إلى المعسكر الاشتراكي لم تدعم حق بعض الشعوب في تقرير المصير، بسبب علاقاتها الجيدة مع الدول التي تسيطر على هذه الشعوب، والعكس كان صحيحا بالنسبة للدول المنتمية إلى المعسكر الرأسمالي. وقد أدى هذا الركود إلى ازدياد الاضطهاد القومي واشتداده وسيطرة الأغلبية على الأقلية، ولاسيما في الدول الشمولية والشوفينية التي تتكون كياناتها من أقليات قومية واثنية متعددة، وتحكم وفقا لنظام الحزب الواحد.

استمر هذا الركود إلى حين انتهاء الحرب الباردة في بداية التسعينات من القرن الماضي، إذ انهار المعسكر الاشتراكي الذي كان يدعم مدة طويلة معظم الأنظمة الشمولية والشوفينية، بسبب مصالحها السياسية والاقتصادية وصراعها مع المعسكر الرأسمالي، ولاشك أن انتهاء الحرب الباردة وزوال نظام الثنائية القطبية في العلاقات الدولية، كان من مصلحة الشعوب غير المتمتعة بحق تقرير المصير، وشهد العالم أحداثا تاريخية ودراماتيكية وفرت فرصا حقيقية لكثير من الشعوب غير المتحررة للتخلص من السيطرة الأجنبية، أو سيطرة فئة أغلبية قومية داخل الدولة الواحدة على القوميات الأخرى، إذ استطاعت هذه الشعوب فعلا من الحصول على حقها في تقرير مصيرها وإعلان دولتها المستقلة، ومن أهم هذه الأحداث تفكك الاتحاد السوفيتي، وإعلان شعوب جمهورياتها الاستقلال الكامل، وكذلك الحال بالنسبة لتفكك الاتحاد السوفيتي، وإعلان شعوب جمهورياتها الاستقلال الكامل، وكذلك الحال بالنسبة لتفكك الاتحاد اليوغسلافي وانقسامه على عدة دول مستقلة. فضلا عن أحداث تاريخية أخرى، كهدم جدار برلين وتوحيد الألمانيتين (الغربية والشرقية)، واندلاع حرب الخليج الثانية وانتصار الحلفاء فيها فكل هذه التطورات أدت إلى نيل العديد من الشعوب استقلالها في أوروبا، وأماكن عديدة من العالم، كاستقلال اريتريا وتيمور الشرقية وتقرير الشعب الكوردي في العراق لمصيره عن طريق اختياره للنظام الفيدرالي، والبقاء ضمن الدولة العراقية على أساس ذلك.

كل هذه التغيرات والتطورات أدت إلى حصول تعديلات واضحة في بعض المبادئ القانونية الدولية، كمبدئي (سيادة الدول وحرمة أراضيها) و(عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول). كما أن هذه التغيرات قد أثرت تأثيرا كبيراً في تطور مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، وتطور آليات حماية حقوق الإنسان بشكل عام. ومن ثمرات هذه التعديلات إصدار العديد من القرارات الدولية التي شكلت الأرضية القانونية المناسبة للتدخل الإنساني وحماية الشعوب في العديد من الدول في بقاع العالم، كدول البلقان والعراق ورواندا. ولابد من الإشارة هنا، إلى قرار مجلس الأمن الدولي المرقم ( 688) الصادر في نيسان عام 1991 بشأن العراق، والذي شكل أساسا قانونيا دوليا لتمكن الشعب الكوردي من الحصول على الدعم الدولي لممارسة حقه في تقرير المصير، وتمكينه من إدارته الذاتية عن طريق إجراء الانتخابات وإنشاء مؤسساته القانونية. وبسقوط النظام البعثي في العراق عام 2003، تم اختيار النظام الفيدرالي نظاما للحكم في العراق، والإقرار دستوريا بكوردستان العراق كإقليم ضمن الدولة العراقية الاتحادية.

ولاشك أن تغيرات وأحداث كبيرة قد تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والتي من شأنها نشر مبادئ الديمقراطية وإنهاء الأنظمة الشمولية والشوفينية في المنطقة. وان الأمة الكوردية في كافة أنحاء كوردستان المنقسم- بشكل عام- وشعب كوردستان العراق- بشكل خاص- لن يكونوا بمنئ عن هذه التغيرات التي توفر فرصا جديدة له في تطوير ممارسة حقه في تقرير المصير، لكي يتمكن من إعلان دولته المستقلة.

أهمية البحث:

تكمن أهمية البحث في كونه يتناول موضوعا ساخنا وهو موضوع حق الشعوب في تقرير المصير، إذ أصبح الموضوع مرة أخرى بعد انتهاء الحرب الباردة محل اهتمام الباحثين على الصعيدين القانوني والسياسي. فهناك شعوب عديدة مازالت تناضل بشتى السبل من اجل حقها في تقرير المصير، ومن بين هذه الشعوب الشعب الكوردي، لهذا لابد من الاهتمام بالبحث العلمي في مسألة حق الشعوب في تقرير المصير بشكل عام، وحق الشعب الكوردي في تقرير المصير بشكل خاص.

منهجية البحث:

استندت هذه الدراسة إلى المنهج التحليلي للقواعد والقوانين والمبادئ الدولية المتعلقة بمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، مع عرض آراء وتوجهات الفقهاء والباحثين في هذا المجال ومجلبها فضلا عن تجارب الشعوب في ممارسة هذا الحق.

خطة البحث:

يتضمن البحث جزأين: الأول، يتناول الجانب التاريخي أو الأساس التاريخي لحق الشعوب في تقرير المصير، ومضمون هذا الحق، وكذلك أشخاص هذا الحق. أما الثاني، فيتناول الأساس القانوني الدولي لمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير من خلال عرض وتحليل الوثائق القانونية الدولية التي تعترف بمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير وتبين الطبيعة القانونية الدولية لهذا المبدأ.

1- نظرة شمولية لمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير.

2-2 الجانب التاريخي لحق الشعوب في تقرير المصير.

لابد من الرجوع أولا إلى أيام الثورة الفرنسية، إذ كثرت الأحاديث والخطابات الفلسفية حول حقوق الإنسان الطبيعية والمساواة، ففي الإعلان الصادر في أيار سنة 1790 عن الجمعية التأسيسية في مدينة باريس، ذكرت أن الإنسانية تشكل وحدة واحدة تمارس فيها الدول والشعوب في آن واحد بعض الحقوق الطبيعية، واهم هذه الحقوق الطبيعية هو حق الإنسان في العيش بحرية في مجتمع تسوده المساواة. لم يتطرق مفكرو وفلاسفة الثورة الفرنسية بصورة مباشرة إلى مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، بل يمكن استنباط هذا الحق من الأفكار والآراء المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته التي تناولتها الوثائق الصادرة ما بعد الثورة الفرنسية. وقبل الثورة الفرنسية تضمنت وثيقة الاستقلال الأمريكية التي أقرت بعد الثورة الأمريكية 1776 مفاهيم عديدة حول تحرر الإنسان والشعوب. أصبح موضوع حق الشعوب في التحرر، فقرة من فقرات جدول أعمال المؤتمرات التي انعقدت حول الوضع السياسي في أوروبا في بدايات القرن الثامن عشر. لكن بعد مؤتمر فينا، ابتعدت الدول الأوروبية الكبرى عن ترسيخ هذا الحق وإعطائه للشعوب الأوروبية الأخرى، لكن هناك استثناء واحد في هذا الشأن إذ قرر مؤتمر لندن 1830 أن تصبح اليونان دولة ذات سيادة. الثورات التي حدثت في أوروبا سنة 1848 أدت إلى نمو الحس القومي عند الألمان، والايطاليين، والمجريين والهولنديين، مما أدى إلى التداخل ما بين مبدأ حق تقرير المصير والإعلانات المتعلقة بوحدة الدولة القومية. من خلال مؤتمر باريس للسلام 1856 وضع أساس دولة رومانيا الحالية، لكن في سنة 1878 فقط تم الاعتراف رسميا في مؤتمر برلين باستقلال رومانيا. ساهم مبدأ حق تقرير المصير مساهمة فعالة في المشروع السياسي للوحدة الايطالية سنة 1816، وبعد عشر سنوات من هذا التاريخ تم تشكيل الدولة الألمانية الموحدة، لعب هذا المبدأ أيضا دورا مهما في تحديد مصير جزر اولاند سنة1917- 1921.

لم يكن القوميون البرجوازيون هم الوحيدين في وضع الاسس الاولى لمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير. ففي سنة 1913، نشر (جوزيف ستالين) مقالا بعنوان (الماركسية والقضية القومية)، وقد انطلق ستالين في مقالته من مفهوم (الامة) بوصفها ظاهرة ثقافية وسياسية، وأكد أن تقرير المصير يعني حق الأمم في أن تقرير مصيرها عن طريق الحكم الذاتي أو الانفصال عن الدولة الأم. بعد سنة من تلك المقالة، نشر ( فلاديمير لينين) مقالة بعنوان (حق الامم في تقرير المصير)، وفي سنة 1917 تضمن اول بيان صادر بعد ثورة اكتوبر الذي سمي (اعلان حول حقوق الشعوب في روسيا) الذي تضمن نفس الأسس التي طرحها لينين في مقالته التي سبق ذكرها. وتم تثبيت هذه الافكار بشان حق الشعوب في تقرير المصير في الدستور السوفيتي الاول سنة 1918. في روسيا انذاك، اندلعت ثورات قومية في الاقسام غير الروسية، فاعلنت فنلندا استقلالها عن روسيا سنة1917، وتبعتها الشعوب الاخرى (استونيا، لاتيفيا، روسيا البيضاء، اوكرانيا، جورجيا، بولونيا، ارمينيا واذربيجان).

كانت الافكار التي بلورها رواد ثورة اكتوبر 1917 افكارا سياسية اساسها الافكار الماركسية التي كانت نظريا ضد الاضطهاد الطبقي، ففي بداية الثورة تركت هذه الافكار اصداء واسعة في العالم، فقد استطاعت بعض الشعوب نيل استقلالها بفضل ما جاءت به ثورة اكتوبر من مبادئ رسخت بموجبها مبدأ حق تقرير المصير. لم تستمر الحالة على هذا النحو، فبعد موت قائد ثورة أكتوبر فلاديمير لينين، انحرفت القيادة الجديدة في الاتحاد السوفيتي عن مبادئ الثورة، وأصبح الاتحاد دولة شمولية يحكمها نظام الحزب الواحد وايديولوجية واحدة، وقد فقدت الشعوب الداخلة في الاتحاد السوفيتي حقها في تقرير المصير من الناحية العملية وأصبحت راضخة لنظام الحزب الواحد.

في أثناء الحرب العالمية الاولى استعملت دول الحلفاء حق الشعوب في تقرير المصير في دعايتها الحربية وقد ادت هذه الدعاية الى نهوض الشعوب الداخلة في الامبراطورية العثمانية.

وفي سنة 1918 عرض الرئيس الأمريكي ( وردلوف ويلسون) اعلانه المشهور المسمى (اربع عشرة نقطة)، واصدر هذا الاعلان بوصفه دعوة وبشكل ملفت للنظر، الى ان رغبات الشعوب يجب ان تسمع حول انهاء النظام الاستعماري وحصول الشعوب على سيادتها.

بعد هزيمة واستسلام المانيا وحلفائها وفي مقدمتهم الامبراطورية العثمانية، ووضع شروط سلام معهم بين سنتي 1919-1920، انهارت الامبراطورية العثمانية وألمانيا، وكان ذلك لصالح تحرر الشعوب من النظام الكولونيالي. ونتيجة لانتصار الحلفاء وإنهاء الإمبراطوريتين الألمانية والعثمانية، ظهر- بدعم من الدول الاستعمارية-نظام الانتداب بإشراف عصبة الأمم، فوضع الكثير من المستعمرات تحت الانتداب البريطاني والفرنسي، مع الاخذ بنظر الاعتبار الخصوصيات الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية والسياسية لسكان هذه المستعمرات. وقسمت مناطق الانتداب الواقعة في الامبراطورية العثمانية المنهارة مابين بريطانيا وفرنسا، وقد قسمت منطقة كوردستان ما بين هاتين الدولتين على وفق اتفاقية (سايكس- بيكو)، اما المستعمرات الإفريقية فقد كانت من نصيب بلجيكا والاتحاد الإفريقي الجنوبي. أما المستعمرات الألمانية في المحيط الهادي، فقد قسمت ما بين بريطانيا واستراليا، ونيوزلندا واليابان. وقد صنف نظام الانتداب في عهد عصبة الأمم إلى ثلاثة أصناف وهي: A,B,C وقد تضمن التصنيف الأول (A) من الناحية النظرية، دولا مستقلة مثل العراق، وسوريا، ولبنان، والأردن، إذ استطاعت هذه الدول نيل استقلالها السياسي الكامل فيما بعد. اما الانتداب البريطاني لفلسطين، فقد استمر حتى عام 1948، ولم يؤد انهاء الانتداب في فلسطين الى حصول الشعب الفلسطيني على حقه في تقرير المصير، اما فيما يتعلق بالتصنيفينB,C فلم يكن موقف عصبة الامم لصالح استقلال هذه المستعمرات، ودخل في اطار هذين التصنيفين المستعمرات الألمانية السابقة في إفريقيا والمحيط الهادي. وقد تمسكت الدول المنتدبة بهذه المستعمرات لحين اندلاع الثورات وحركات التحرر التي نجحت معظمها في الحصول على حقها في تقرير المصير عن طريق نيل استقلالها الكامل.

دخل مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير مرحلة جديدة، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانشاء منظمة الامم المتحدة، اذ نال هذا الحق قسطا كبيرا من اهتمام دول الحلفاء، وتم تثبيت هذا الحق في ميثاق الامم المتحدة، وتحول مبدأ حق تقرير المصير من مبدأ سياسي الى مبدأ قانوني دولي، وعد احد المبادئ الأساسية للقانون الدولي العام التي لها قوة إلزامية.

1-2 مضمون حق الشعوب في تقرير المصير

ظهرت في مجال القانون الدولي وعلم السياسية نقاشات عديدة حول تحديد معنى مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير ومضمونه وعلاقته بالمفاهيم والمصطلحات الأخرى كالاستقلال والسيادة، وتركز الخلاف ما بين الباحثين والفقهاء حول الطبيعية القانونية لحق تقرير المصير، فعدد كبير من الفقهاء الغربيين لا يعتبرون مبدأ حق تقرير المصير مبدءا قانونيا، وأنكروا أية صلة لهذا بالقانون. فعلى سبيل المثال يقول الأستاذ فيشر: (أن حق تقرير المصير بطبيعته الحالية لا يرقى بأي حال من الأحوال إلى مبدأ قانوني). أما الأستاذ الأمريكي (ايكلتون) فقد اعتبر حق حق تقرير المصير مبدءا اخلاقيا سياسيا مجردا من المعنى القانوني فهو سمى هذا الحق بـــــ (افكار مثالية).

هذه الآراء والأطروحات كانت سائدة بعد اشتداد نضال الشعوب من اجل الاستقلال والتحرر من النظام الكولونيالي، وكان الهدف من هذه الطروحات حماية مصالح الدول المستعمرة. لاشك أن هذه الافكار كانت لا تتكيف مع واقع العلاقات الدولية المعاصرة آنذاك، اذ كانت هناك عدد من الشعوب لم تحصل على حقها في تقرير مصيرها، وخاضت النضال بشتى الوسائل لنيل هذا الحق. فأضطرت الدول الاستعمارية تحت ضغط حركات التحرر بعد الحرب العالمية الثانية الى الاعتراف- نظريا- بحق الشعوب في تقرير المصير، ولكن وضعت من الناحية العملية عوائق كبيرة أمام طموحات الشعوب في الاستقلال. حاولت الدول المستعمرة تقليص معنى حق الشعوب في تقرير المصير ومضمونه، بوصفه حقا يتضمن حق الشعوب في الادارة الذاتية لاحوالها اليومية فقط دون حق الاستقلال السياسي والاقتصادي، وعلى اثر هذه المحاولات جرى نقاش حاد ما بين ممثلي الدول الاستعمارية والدول الاخرى في اجتماعات لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة عند مناقشة موضوع حق تقرير المصير مقصورا بالادارة الذاتية، اما الفريق الاخر فوسع من معنى هذا الحق ومضمونه بحيث يشمل حق كل شعب في تحديد مصيره السياسي على المستوى الدولي عن طريق الانفصال او الاتحاد مع الشعوب الاخرى. فظهر ما بين الفقهاء الغربيين من يدافع عن القوة القانونية لمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، مثل الفقية (كيمنس) الذي اعتبر أن حق الشعوب في تقرير المصير مبدأ قانوني. اما الفقهاء الشرقيون، ولاسيما فقهاء السوفيت، فقد كانوا من الناحية النظرية من ابرز المدافعين عن توسيع معنى مبدأ حق تقرير المصير ومضمونه وإعطائه القوة القانونية الملزمة، فيرى الفقيه السوفيتي المتخصص في قضايا حركات التحرر (ستار شينكا): (إن حق تقرير المصير له جانبان: الجانب الداخلي والجانب الدولي.... فالجانب الداخلي يعني حق الشعوب في تحديد النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، اما الجانب الدولي فيعني حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي على المستوى الدولي، ووحدة هذين الجانبين فقط يضمن التحقيق الكامل لمضمون حق تقرير المصير). ايضا الفقيه الروسي الكبير (تونكين) حدد معنى حق الشعوب في تقرير المصير ومضمونه على نحو دقيق.

أما الباحث (كريستيسكو) فيرى أن حق تقرير المصير يتضمن أربعة حقوق رئيسة هي: حق الشعب في تحديد مكانته السياسية والقانونية على المستوى الدولي والداخلي، وحق تحديد النظام الاقتصادي، وحق تحديد النظام الاجتماعي، وأخيرا حق تحديد النظام الثقافي. أما (مارتيس كوبو) المقرر السابق للجنة الأمم المتحدة لشؤون الاقليات، فيرى (ان حق تقرير المصير لا يعني بالضرورة الانفصال، وانما يمكن ممارسة هذا الحق أخرى، كالحكم الذاتي داخل دولة موحدة).

نشطت الأمم المتحدة دورا رئيسا في إعطاء القوة القانونية الملزمة لمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، عندما تناولت هذا الحق في ميثاقها، وأصدرت قرارات عديدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد هذا الحق وممارستها، ومن بين أهم هذه القرارات، قرار الجمعية العامة المرقم (1514) حول ضرورة انهاء النظام الاستعماري وحصول شعوب المستعمرات على حقها في تقرير المصير. وأصدرت الجمعية القرار رقم (2625) في 24/10/1970 حول المبادئ الأساسية للقانون الدولي، إذ عد القرار مبدأ حق تقرير المصير مبدءا أساسيا إلى جانب المبادئ الأخرى الأساسية للقانون الدولي العام. فضلا عن هذين القرارين المهمين ثبت مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير في العهدين الدوليين لحقوق الإنسان لسنة 1966. ولا بد أن نشير هنا إلى أن حق الشعوب في تقرير المصير، يعني أن كل الشعوب متساوية، ولها الحق أن يكون لها استقلال وسيادة، ولا يمكن قبول سيطرة شعب ما على شعوب أخرى ويعني إمكانية كافة الشعوب ممارسة سيادتها على الصعيدين الداخلي والدولي دون التدخل الاجنبي في شؤونها.

بعد هذا العرض للآراء التي تناولت معنى حق تقرير المصير ومضمونه، يتضح لنا ان الكثير من الباحثين حاولوا اعطاء معنى لحق تقرير المصير يتناسب مع مصالح الدول الاستعمارية، او مع الافكار الاشتراكية، ولكن عددا اخر من الباحثين اضطروا الى اعطاء معنى ادق لمعنى حق تقرير المصير ومضمونه وذلك لسببين: الاول، انتصار الكثير من الحركات التحررية في العالم الثالث وتحرر شعوبها من الانظمة الاستعمارية، واعلان استقلالها. والثاني، اهتمام الامم المتحدة بمبدأ حق تقرير المصير وتثبيتها في ميثاقها وفي قراراتها والاتفاقيات المعقودة تحت اشرافها. ولابد من الاشارة هنا، إلى ان حق تقرير المصير قد اقتصر على شعوب المستعمرات حتى نهاية الحرب الباردة، اذ لم يكن باستطاعة الكثير من الشعوب المنضمة أي المجتمعة في إطار الدول المركبة أو الموحدة، ممارسة هذا الحق على الرغم من ثورات وحركات التحرر، للحصول على هذا الحق، وذلك بسبب الحرب الباردة والتنافس بين المعسكرين الشرقي والغربي، اذ كانت دول المعسكر الشرقي من اشهر المدافعين عن مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مما جعل مسألة تقسيم الدول وانفصال الاقاليم عن الدول القائمة مسالة شبه مستحيلة. ومن بين هذه الشعوب الشعب الكوردي والاريتري وتيمور الشرقية والجيك وشعوب البلقان. وقد مر بنا فيما سبق، ان حق تقرير المصير ممارسته دخل مرحلة جديدة بعد انتهاء الحرب الباردة والاحداث التي تلتها، اذ اصبحت فرص الاستقلال لكافة الشعوب الراضخة لحكم الاغلبية اوفر بكثير من أي وقت اخر، والدليل على ذلك تصريح الرئيس الامريكي جورج بوش الابن في مؤتمر صحفي عقده في اثناء القمة الأوروبية في فينا في 21 حزيران 2006، عندما قال: (يجب إعطاء حق إنشاء الدولة لكل شعب يمتلك هذا الحق)، ناهيك من إعلان استقلال كوسوفو والاعتراف بها أخيرا.

ولذلك، فان حق تقرير المصير هو مبدأ قانوني أساسي معترف به في القانون الدولي، ويعد قاعدة أمرة إلى جانب القواعد الامرة الاخرى في القانون الدولي. وهذايعني ان الدول والجماعات الأخرى لا تستطيع خرق هذه القاعدة الآمرة، وأي عمل اتفاقية دولية تتعارض مع هذا المبدأ تعد باطلة، وبضد ذلك يجب على دول العالم العمل من اجل احترام هذا المبدأ وضمانه لشعوب العالم كافة.

أما حق تقرير المصير فيتضمن جانبين: الجانب الدولي والجانب الداخلي، فالجانب الدولي له علاقة مباشرة بالسيادة، ويعني حق الشعوب في تحديد مستقبلها السياسي على الصعيد الدولي عن طريق انشاء دولة ذات سيادة مستقلة، اما الجانب الداخلي لهذا الحق فيعني حرية الشعوب التي حصلت على حقها في تقرير المصير في تحديد نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي دون تدخل الاجنبي، والجانب الداخلي يعني ايضا حرية الشعوب في استغلال ثرواتها الطبيعية، وكيفية الاستفادة منها. ومن الممكن ممارسة حق تقرير المصير بأساليب أخرى غير الاستقلال او الانفصال، مثل أسلوب الدولة الفيدرالية أو الحكم الذاتي. ولكن تجارب الشعوب أثبتت بان التعايش ما بين الشعوب في إطار دولة واحدة سواء كانت دولة فيدرالية أو دولة بسيطة مسالة صعبة ولا تستمر إلى النهاية، فكل الشعوب تفضل الدولة المستقلة بها لتستطيع الانضمام إلى الأسرة الدولية، وتحقيق الرخاء والرفاهية لها، وإقامة علاقات مع الدول الأخرى على أساس مبدأ المساواة في السيادة.

1- 3 أشخاص مبدأ حق تقرير المصير

يثير تحديد أشخاص حق تقرير المصير، أو بعبارة أخرى المجموعات السكانية التي لها هذا الحق، تساؤلات عديدة في فقه القانون الدولي، والسبب الرئيس لهذه التساؤلات هو غياب أو فقدان تعريف جامع ومانع لمصطلح (الشعب)، فهذا المصطلح لم يحدد معناه وحدوده بشكل واضح في الوثائق القانونية الدولية. هناك تسميات عديدة للمجاميع السكانية التي تستقر في أماكن جغرافية معينة، من هذه التسميات (الشعب، القومية، والأمة، وأخيرا الأقليات القومية). وليست هناك معايير واضحة لتحديد الاختلافات مابين هذه المجموعات السكانية. فمن الممكن إيجاد أشخاص حق تقرير المصير في بعض الوثائق القانونية الدولية، ولاسيما ميثاق الأمم المتحدة وعهدي حقوق الإنسان لسنة 1966. ففي الفقرة الثانية من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة عندما حددت أهداف الأمم المتحدة نصت على (تطوير العلاقات الدولية مابين الأمم على أساس احترام مبدأ المساواة وتقرير مصير الشعوب)، والمقصود هنا ليس الأمم والشعوب الاعضاء في الامم المتحدة فقط، وانما المقصود الامم والشعوب كلها التي ما زالت لم تقرر مصيرها وشكل دولتها.

عندما وضع ميثاق الأمم المتحدة حاولت بعض الدول الغريبة، تلك التي كانت لها مستعمرات خارج حدودها، تضييق اشخاص مبدأ حق تقرير المصير لتقتصر على الشعوب التي كانت تتمتع بالسيادة وتملك دولتها المستقلة، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل بسبب إصرار الدول الشرقية التي كانت تعد نفسها حليفة لحركات التحرر المنادية بالاستقلال وتقرير المصير، فهذه الدول نجحت إلى حد ما في تدوين حق تقرير المصير في المادة الأولى من الميثاق. ان المادة الاولى من ميثاق الامم المتحدة لا تعطي معنى واضحا ومحددا لأشخاص حق تقرير المصير، ولهذا السبب يمكن تفسير هذه المادة تفسيرات مختلفة. ولكن من جهة اخرى تعطي الفقرة السادسة من المادة الثالثة والسبعون معنى أوسع وأوضح للأشخاص في البيان الخاص الصادر من الأمم المتحدة حول تحديد العلاقة مع المناطق الواقعة تحت الوصايا الدولية، ويذكر مصطلح (الشعب) في الفقرة الثانية من المادة الأولى، والمادة(55). فالمادة الثالثة والسبعين تذكر (الشعوب التي لم تحصل على استقلالها الكامل)، وتنص هذه المادة أيضا على أن من الواجب مساعدة هذه الشعوب لتمكينها من الحكم الذاتي مع مراعاة التوجهات السياسية لهذه الشعوب. وان ميثاق الأمم المتحدة يفرق ما بين سكان المناطق الواقعة تحت الوصايا الدولية والشعوب الأخرى، ويعد شعوب هذه المناطق فقط أشخاصا لحق تقرير المصير. وان ميثاق الأمم المتحدة في المادتين الأولى والخامسة، يحدد بشكل واضح أشخاص تقرير المصير، ولاسيما عندما تذكر هذه المواد أن مبدأ تقرير المصير له طبيعة عامة وشاملة.

إن أكثرية أعضاء الأمم المتحدة متفقون فيما بينهم على أن كلمة (الشعوب) تعني السكان في كل الدول والمناطق في العالم، ثم تفهم كلمة الشعوب بمعناها الواسع وليس الضيق، ولكن يجب النظر في القضايا المتعلقة بتقرير المصير، وكيفية حلها في كل قضية على حده.

عند تحليل المواد المتعلقة بتقرير المصير الواردة في ميثاق الأمم المتحدة يتضح لنا أن أشخاص تقرير المصير هم:

1.     الأمم والشعوب التي حصلت على سيادتها الدولية.

2.     الشعوب الواقعة تحت الوصايا الدولية.

3.     الشعوب الواقعة تحت النظام الاستعماري بالشكلين الخارجي والداخلي، وبعبارة أخرى، الشعوب التي ترضخ لاستعمار الدول الأخرى مباشرة، والشعوب التي تخضع لحكم أغلبية شعب آخر في دولة موحدة.

أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا مهما متعلقا بحق تقرير المصير المرقم (637) في كانون الأول سنة 1952، الذي ينص على (أ- ان حق الشعوب والأمم في تقرير المصير يعتبر الأرضية الأساسية لتحقيق وضمان حقوق الإنسان. ب- على كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة احترام هذا الحق في الدول الاخرى وفقا لميثاق الامم المتحدة).

اصدرت الامم المتحدة قرارات عديدة في الجمعية العامة التابعة لها، وقد ساهمت هذه القرارات في تحديد أشخاص حق تقرير المصير بشكل واضح. ومن اهم هذه القرارات، القرار المرقم (1514) في 14/12/1960، وكذلك القرار (2625) في 24/10/1970، فالقرار يطالب بصراحة انهاء النظام الكولونيالي واعطاء الشعوب استقلالها، ففي الفقرة الثانية من هذا القرار هناك عبارة واضحة هي(كل الشعوب تملك الحق في تقرير المصير). ان (كل الشعوب) لها طبيعة شاملة، ولهذا السبب، واستنادا إلى القرار (1514)، فان لكل شعب ومن دون استثناء الحق في تقرير مصيره، وبالتالي يعد شخصا من اشخاص حق تقرير المصير. اما القرار (2625) المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاص بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الامم المتحدة والصادر في سنة 1970، فينص (على اساس مبدأ المساواة وتقرير المصير للامم والشعوب المنصوص في ميثاق الامم المتحدة، تملك كل الشعوب الحق بتحديد وضعها السياسي بحرية دون تدخل خارجي).

تم توثيق تقرير المصير واشخاصه في المادة الاولى في عهدي حقوق الانسان لسنة 1966 في ثلاث فقرات، فقد نصت الفقرة الاولى على ان (كل الشعوب لها الحق في تقرير المصير. واستنادا الى هذا الحق فان لهذه الشعوب تحديد وضعهم السياسي بحرية، وكذلك ضمان تقدمهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بحرية).

أما فيما يتعلق الأمر بالفقه القانوني الدستوري والدولي، فان تحديد اشخاص حق تقرير المصير ليس بأمر سهل وهين، وذلك لوجود تعاريف عديدة ومصطلحات مختلفة للمجموعات السكانية في دول العالم المتعددة. ان مصطلح (الشعب) له معنى اوسع، ويشمل الشعوب كافة دون استثناء، ولكن المسألة تصبح اكثر صعوبة عند محاولة تعريف هذا المصطلح تعريفا دقيقا، وتحديد الاختلاف ما بين هذا المصطلح والمصطلحات الاخرى كالامة، والقومية او الاقليات. ان الشيء الوحيد المعلوم والذي قد يفتح باب المناقشة والاختلاف هوان شعبا واحدا لايشكل دائما دولة واحدة، ولكن الدولة وتشكل من شعب واحد او من عدة شعوب.

هناك العديد من المجتمعات تكون تركيبتها القومية معقدة ومركبة بسبب وجود حقائق وقائع سياسية، واقتصادية، واجتماعية وثقافية. ففي هذه المجتمعات يعيش شعبان أو أكثر في إطار دولة واحدة، ولاسيما الدول التي لها نظام فدرالي، وتوجد هذه الحالة في الدول البسيطة ايضا، فان اعتبار هذه الشعوب في دولة واحدة اشخاصا لحق تقرير المصير قد يثير مشاكل لابد من وضع حلول قانونية وعادلة لها. ومن اهم هذه الحلول اعطاء حق تقرير المصير لهذه الشعوب كافة لتقرر بنفسها الاستمرار أو عدم الاستمرار في العيش في اطار دولة معينة. ففي الوقت الحالي هناك العديد من المجتمعات المركبة مثل روسيا الاتحادية، الصين الشعبية، وتركيا، وايران، والعراق.....وغيرها. ففي العراق هناك قوميتان رئيستان هما العربية والكوردية، والى جانبهم تعيش اقليات قومية اخرى تشكل كلها دولة العراق، وتطلق كل قومية او اقلية قومية على نفسها مصطلح الشعب، كالشعب الكوردي والشعب العربي والشعب التركماني...وغيرها. وهذا يعني ان مصطلح الشعب يمكن ان يكون له معنى سياسي ومعنى جغرافي ايضا ففي العراق هناك صعوبة في تحديد اشخاص حق تقرير المصير. فيطرح السؤال: هل يعد الشعب العراقي شخصا من اشخاص حق تقرير المصير؟ او يعد كل شعب من الشعوب المنضوية في دولة العراق اشخاصا لحق تقرير المصير؟.

للإجابة عن هذا التساؤل نرى أن الشعب العراقي يعد شخصا من أشخاص حق تقرير المصير إذ كان هناك اتفاق اختياري بين مكونات هذه الشعوب للعيش سويا، أما إذا طالب شعب واحد من شعوبها بحقه في تقرير مصيره واستقلاله الكامل، فعندئذ يمكن اعتبار كل شعب من هذه الشعوب شخصا من أشخاص حق تقرير المصير، وعليه فالمعيار هو مطالبة شعب معين بحق تقرير المصير، ولكن يجب أن تكون هناك معايير أخرى لكي تصبح مجموعة سكانية معينة شعبا قائما بذاته، وبالتالي شخصا لحق تقرير المصير.

أما الباحث( كراوفورد) فيحدد أشخاص حق تقرير المصير على النحو الآتي:

1-" المناطق التي أقرت حقها في تقرير المصير وفقا للوثائق الدولية مثل المناطق غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وكذلك المناطق الواقعة تحت الوصايا وفقا لميثاق الأمم المتحدة.

2-الدول القائمة عدا الدول التي ضمنها مناطق وفقا للفقرة الاولى. وهنا يتعلق الأمر بان شعبا من ما في دولة ما له حق تقرير المصير على المستوى الداخلي.

3-الأقليات الموجودة في دولة مستقلة، والذين تمت معاملتهم بشكل اصبحوا من الناحية الفعلية ضمن المناطق غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

4- كل المناطق الأخرى من يمكن أن يكون حق تقرير المصير حلا لمشاكلها.

أما الأستاذ الروسي (ستارو شينكا) فيعد الشعوب والأمم كلها أشخاصا لحق تقرير المصير، من دون استثناء. اما الخبير القانوني الدولي الروسي (باراتاشفيلي) فيحدد أشخاص حق تقرير المصير تحديدا واضحا عندما يقول (كل مجموعة سكانية تمتلك مساحة جغرافية معينة ولها صفات تاريخية مشتركة، وكذلك صفات سياسية واجتماعية وثقافية مشتركة لها الحق في تقرير المصير).

ومما تجدر الإشارة إليه أن الأقليات القومية عادة ليست لها بقعة جغرافية مشتركة تقيم عليها بشكل دائم، وهذه الحالة قد تؤدي إلى عدم اعتبار هذه الأقليات أشخاصا لحق تقرير المصير على المستوى الخارجي، ولكن مما لاشك فيه إن الأقليات القومية تعتبر أيضا أشخاصا لحق تقرير المصير على المستوى الداخلي، فتستطيع هذه الأقليات أن تطالب بحقوقها السياسية الاجتماعية والثقافية على المستوى الداخلي.

بعد هذا العرض والتحليل للوثائق القانونية والدولية، وكذلك آراء بعض الفقهاء والباحثين، يمكن القول أن المعايير الأساسية لتحديد أشخاص حق تقرير المصير هي:

1.     الموطن الجغرافي المشترك.

2.     اللغة المشتركة.

3.     التاريخ والثقافة المشتركة.

فكل مجموعة سكانية تتوافر فيها هذه المعايير يمكن اعتبارها شخصا من أشخاص حق تقرير المصير على المستويين الدولي والداخلي، أما المعايير الاقتصادية المشتركة، فليست بالضرورة أن تكون معيارا لتحديد أشخاص حق تقرير المصير، لان أغلبية الشعوب التي تطالب بحق تقرير المصير هي شعوب تخضع للنظام الاستعماري المباشر أو غير المباشر، وبالتالي تكون علاقاتها الاقتصادية علاقات ضعيفة مرتبطة بالنظام الاقتصادي للدول التي تستعمرها.