"دراسة ميدانية لما جرى في الموصل"

 خسرو كوران

16.11.2008 

  إن إخواننا المسيحيين أو الشعب الكلداني السرياني الآشوري يعيشون في محنة منذ عام 2004 وإلى اليوم سواء في الموصل أو في بغداد أو البصرة. تبلغ نسبة المسيحيين في محافظة نينوى حالياً حوالي 130 الف نسمة. وهذا يشكل ما نسبته 3-4%من مجموع عدد سكان محافظة نينوى البالغة 2 مليونين و900 و12 الف نسمة. ثلث المسيحيين يقطنون في قضاء الحمدانية في قصبات قراقوش وكرمليس وبرطلة. وربعهم يقطنون في قضاء تلكيف في قصبات تلكيف وباطنايا وبعقوفا وتللسقف والقوش وغيرها. والربع الآخر يسكن داخل مدينة الموصل-المدينة المليونية-أما نسبة ال15% الباقية من المسيحيين فيسكنون كبيوتات في بعشيقة والشيخان وسنجار وغيرها. مسيحييو الاطراف لم يُستهدفوا كما استهدف أهل الداخل. المسيحييون في سنجار أو في بعشيقة أو في الشيخان أو القوش أو تلكيف أو برطلة أو كرمليس يعيشون بسلام وأمان، وكل هذه المناطق مشمولة بالمادة 140 من الدستور.

مر أستهداف المسيحيين في الموصل على عدة مراحل. في بعض المراحل أُستهدفت الكنائس وقتلت أعداد منهم وفي مراحل أخرى اختطف رجال الدين والطلاب وقتل بعضهم وتم اطلاق سراح البعض الاخر بعدما دفعت الفدية ل"دولة العراق الاسلامية" كما يسمونها أو للمجاميع الإرهابية الأخرى التي تقوم بهذه الاعمال البشعة والشنيعة.

قد تكون الحملة الاخيرة أكبر حملة واجهها إخوتنا المسيحييون داخل الموصل من حيث العدد لانه لم يحدث سابقا أن ترحل مئات وآلاف العوائل المسيحية خلال فترة أقل من اسبوعين من مدينة الموصل. صحيح انه حدث ترحيل في الاعوام السابقة من 2004 إلى الآن لكن الذي شهدناه في غضون الشهرين الاخيرين من هذا العام 2008 يفوقها بكثير لانها كانت عملية مدبرة ومخطط لها بشكل دقيق من قبل دول إقليمية حاولت إلصاق التهمة جزافاً بالكرد وكأن الكرد وراء ترحيل المسيحيين!. إنه لمن السذاجة السياسية التفكير على هذا الشكل لانه في مجلس محافظة الموصل ومجلس محافظة كركوك وحتى في برلمان العراق أقرب المقربين الى التحالف الكردستاني هم الاخوة المسيحيين. لدينا في مجلس محافظة نينوى خمس مقاعد ضمن قائمة التحالف الكردستاني للاخوة المسيحيين منذ عام 2003 ولغاية الآن. نحن في الحقيقة لم نفهم لماذا هذا الاتهام للكرد بترحيل المسيحيين وقتلهم. والمسيحيين لم يكونوا يوما من الايام منذ تحرير العراق عام 2003 وحتى قبل ذلك التاريخ تهديدا مباشرا للكرد بل هم مؤتلفون ضمن التحالف الكردستاني. ولكن حسب اعتقادنا فان هذه كانت خطة مدروسة ومبرمجة لتشويه سمعة التحالف الكردستاني وتأليب بعض الجهات المختلفة ضدها ولدينا معلومات مؤكدة استقيناها من قوات التحالف الدولية بوجود توجيه من أبوعمر البغدادي بإستهداف المسيحيين في هذه المرحلة بالذات. قبل اسبوعين تم إعتقال اربعة اشخاص-ينتمون لتنظيم القاعدة اعترفوا بانهم قتلوا بضع اشخاص من المسيحيين وتسببوا في تهجير عدد من العوائل المسيحيية وهم حاليا معتقلون في سجن مديرية شرطة محافظة نينوى. اعتقد من كان وراء استهداف المسيحيين هم نفسهم الذين استهدفوا الكرد والذين فجروا قصبة كرعزير( القحطانية) في سنجار وكانوا سببا في مقتل 400 كردي يزيدي وجرح 400 آخرين، والذين انزلوا 25 مواطنا ايزيديا بريئا من باص تابع لمعمل النسيج في الموصل وقاموا بتذبيحهم أمام مرأى ومسمع المواطنين. وهم نفسهم من قتلوا للآن 1600 مواطن كردي داخل مدينة الموصل، والذين كانوا سببا في تهجير اكثر من 150 الف مواطن كردي من الموصل. لدينا حاليا فقط في محافظة دهوك 105 آلاف نازح، 85% منهم من الموصل. وهناك نازحين من الموصل في اربيل في قضاء خبات وعنكاوة وشقلاوة ناهيك عن الآلاف الذين تركوا الموصل ويعيشون حاليا في القلاع العسكرية المحيطة بالموصل وفي قصبات بعشيقة والشيخان وغيرها من الاقضية والنواحي التابعة للموصل.

القاعدة ومن ورائها وأزلام النظام البائد وأيتامه هم وراء استهداف كل المكونات غير العربية في الموصل ولاننسى الشيعة ايضا الذين قُتل منهم لحد الآن داخل مدينة الموصل أكثر من 770 مواطن شيعي معظمهم من الشبك الكرد. كما أن آلاف العوائل الشيعية من الشبك تركت الموصل وتعيش الآن في القرى الشبكية الآمنة المحيطة بمدينة الموصل. والذين قاموا بهذه الأعمال الإجرامية اصبحوا خبراء بتنفيذها ويتخفون أحيانا بملابس معينة لتضييع المسألة. في الزنجلي حين قاموا بتفجيرهم الارهابي تزيوا بلباس الجيش لتوجيه الاتهام إلى الافواج الكردية داخل الجيش العراقي وليس من المعقول أن يقوم جيش دولة بتدمير حي كامل! في اليوم التالي حينما ذهب مدير الشرطة إلى الزنجيلي لتفقد الأحوال أتى شخص بزيّ الشرطة وفجر نفسه وقتل قائد الشرطة. فلا غرابة إن تزيا هؤلاء القتلة بملابس كردية لتوجيه الاتهام الى الكرد بمعاداة جهات معينة. وبصفتي نائبا لمحافظ الموصل لايوجد لدينا أي معلومات بخصوص تورط أشخاص أكراد بالاعتداء على المسيحيين في مدينة الموصل، رغم إعتقال بعضهم ومن ثم إطلاق سراحهم لعدم وجود أي دليل يثبت تورطهم في أعمال إرهابية ضد المسيحيين. حاولت بعض الجهات أن تفبرك قصة وتلصق التهمة بالاحزاب الكردية وللاسف خرج البعض على وسائل الاعلام متهما الاحزاب الكردية في الموصل باستهداف المسيحيين.

اذا ما قرأنا بيانات"دولة العراق الاسلامية" وأنصار النظام السابق سنرى كيف يّعرفون المكونات العراقية في بياناتهم وبلاغاتهم. بالنسبة لهم الكرد" صهيونيون وعملاء لأمريكا واسرائيل" في المنطقة والمكون المسيحي صليبيون ويجب بترهم والشيعة رافضيون يجب إقصائهم والإيزيدية لادين لهم ويجب ذبحهم. أمّا العرب السنة الذين اختاروا سلك طريق العراق الجديد فهم مرتدون يجب قتلهم!

توقيت مسألة استهداف المسيحيين كان مخططا له إذ جاء في فترة حرجة وكان لها صدى عالمي واسع حيث للإخوة المسيحيين امتداد عالمي وبالتزامن مع الانتخابات الأمريكية. ومن أهدافها تخويف المسيحيين بغية إخراجهم من الموصل وعدم المشاركة في الانتخابات. إن ما حصل هو قتل أناس ابرياء لاعلاقة لهم لابالجيش ولابالشرطة ولابالسياسة. حيث التقينا بعائلات البعض منهم ورأينا ذلك بأعيننا. كان القتل على الهوية لاغير. وما أخاف المسيحيين أكثر أخطاء حدثت من جانب أجهزة الامن والشرطة في مدينة الموصل. فحين طلبوا الهويات من المسيحيين أخافهم ذلك كثيرا لأنه يكشفهم على الملأ مما أثر سلبا على تركهم للمدينة. رغم ذلك عادت حتى الآن حوالي 300 عائلة مسيحية الى مدينة الموصل. وبعد نشر خبر العودة في أجهزة الإعلام قام الارهابيون من القاعدة بقتل عائلة مسيحية متكونة من ثلاث نساء ورجل كان خارج البيت حيث قتلوا الأختين (إحداهما موظفة بالمحافظة والثانية في الخزينة) والأم تقبع جريحة في المشفى. وحين ذهب رجال الشرطة لتفقد الامر كان البيت مفخخا وادى ذلك الى إصابة ثلاث من رجال الشرطة بجروح.

إنني متفائل كما تم اكتشاف مسببي انفجار القحطانية عام 2007 وكما تم اعتقال فاعلي تفجيرات الزنجلي وتم عرضهم على شاشات التلفزة سيتم كشف هؤلاء المجرمين والاربعة الذين يقبعون في السجن حاليا قد يفيدون بمعلومات أكثر وهم من تلّعفر ومنتمين الى دولة العراق الاسلامية وتنظيم القاعدة. وهم يقدمون من تلعفر غالبا ويعيثون في الموصل فسادا. ورغم ان العدد لا يهم في هكذا قضايا ومسائل، واخوتنا المسيحيين يتعرضون لهذا الارهاب الخطير الآن وإذا ما اقتصرنا على الاعداد فأن الشبك الكرد والإيزيديين كان عدد ضحاياهم اكثر.

الموصل مدينة صعبة وهناك أسباب عديدة لاستمرار دوامة العنف فيها والسبب الاول هناك تعاون وتواطىء من سكان الموصل(ليس جميع أهل الموصل طبعا) للارهابيين وانصار النظام السابق. الموصل كانت قاعدة وركيزة أساسية للنظام السابق فمعظم قادة الجيش والحزب السابقين إضافة الى قوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة وغيرها ورؤساء العشائر كانوا من المستفيدين من النظام السابق. السبب الثاني تأخر الحكومة العراقية بالقيام بوقف الهجمات الارهابية في الموصل التي كانت للاسف آخر محافظة فكرت بها الحكومة!. السبب الثالث الاختراق الامني الموجود في الاجهزة الامنية والشرطة والجيش. قبل يومين مثلا جندي عراقي قتل جنديين امريكيين وهذه الحالة تتكرر للمرة الثالثة. السبب الرابع للموصل حدود دولية طويلة أكثر من 360 كم حدود برية مفتوحة وخارجة عن السيطرة. ومن السهولة بمكان تسلل ارهابيين واسلحة من دول الجوار لا سيما مع وجود ذات العشيرة على طرفي الحدود المفتوحة. السبب الخامس أن الموصل مدينة كبيرة عدد ساكنيها أكثر من مليون ونصف مما يسهل اختباء الارهابيين فيها لا سيما مع وجود من يأويهم ويوفر لهم الغطاء والدعم. السبب السادس هو المشاكل السياسية وبقاء المادة 140 دون حل والوضع الاقتصادي والبطالة ونسبتها 50 الى 60% حيث كل شيء له ثمن فزرع عبوة يساوي 15 الف دينار وقتل شخص! بمئة ألف دينار أو أقل. التقيت واحدا منهم معتقل لدينا كان قد قتل 30 شخص بأموال بخسة جداً.

هذه الاسباب مجتمعة تساهم في حصول المأساة. ولاوجود لقوات كافية للسيطرة على الوضع في مدينة الموصل الكبيرة الحجم والعدد.فمع عدم وجود الامن والأمان في المدينة لن يعود اليها المسيحيون المهجرون منها بالقوة وعشرات الآلاف من العوائل الكردية النازحة إلى دهوك وشيلادزى وزاخو وعقرة وخبات وغيرها.

هناك الآن قوات إضافية دخلت إلى الموصل وسنعمل على أن تكون هناك خطط مناسبة وملائمة وانشاء الله ستكون المعركة نهائية في الموصل وننتهي من آفة الإرهاب نهائيا هذه المرة.