"قانون حقوق الاقليات في العراق"

سعدي أحمد بيرة 
16.11.2008

أرى الأمر المتعلق بحقوق الأقليات أو القوميات الأخرى بالنسبة لنا نحن العراقيين بمثابة إمتحان مهم جدا لاستبيان مدى قبولنا لبعضنا البعض وقبول الآخر وعدم تكرار أو إزالة ما حدث خلال حكم الأنظمة السابقة المتعاقبة الدموية في العراق. هناك بالتأكيد كيانات وقوى سياسية وشخصيات في العراق لم يتعلموا بعد ماذا حدث للقوميات الأخرى في العراق سابقا وما سيكون عليه مصيرهم في المستقبل.

إستخدام كلمة " الأقليات" لاتعني الإنتقاص من قيمة أحد أو إعتبار أي مكون مواطنين من الدرجة الثانية إنما هو مصطلح رياضي عددي يعتمد على عدد كل مكون ونسبته إلى مجموع المكونات الأخرى في بلد ما.

بعد تحرير العراق كنت حاضرا في اجتماع بوجود الحاكم الأول الامريكي جيمى غارنر وكان حاضرا حينها فخامة رئيس الجمهورية مام جلال طالباني وسيادة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني والمرحوم سامي عبد الرحمن ود.روج نوري شاويس ود.برهم صالح ووزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري ومسؤولين كبار في القيادة السياسية الكردستانية. تمت مناقشة بعض الأمور بحضور سامي كالسيطرات والأمور المالية في كردستان العراق عموما لان القوات الامريكية حاولت أن تسيطر على جميع هذه المفاصل دون إعتبار للعمليات والمجموعات الإرهابية وحدود الدول المجاورة سواء إيران أو تركيا أو سورية في هذه المنطقة. بدأ المرحوم سامي النقاش فقاطعه غارنر قائلاً: سيد سامي أتيت لا لمناقشة المسائل المالية والمنافذ الحدودية وغيرها وإنما وصلت إلى درجة اليأس من المكونات السياسية العراقية لأنهم يناقشون منذ أربعة عقود من الزمن ولحد الآن ولا أعرف متى ستنتهون من نقاشكم هذا وتصلون إلى حلول ونحن تحت ضغط تشكيل حكومة وتسليم الإدارة إلى العراقيين. أرجو من طالباني وبارزاني والاخوة المسيحيين والتركمان وبعض المكونات العراقية العربية المتعاونة تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن. لدي أسبوعين فقط وإن لم أنجح في هذه المهمة يجب أن أترك العراق.

وبالفعل عقد اجتماع للجبهة الكردستانية والقيادة السياسية الكردستانية التي قررت الذهاب إلى بغداد وكان عنوان هذه الزيارة إلى بغداد (ترميم وصيانة وحدة العراق) التي كانت مهددة خلال الاسابيع الأولى من تحرير العراق وإسقاط الدكتاتورية. كانت زيارة السيدين طالباني وبارزاني إلى بغداد بطلب من غارنر والمجتمع الدولي وقوى التحالف التي حررت العراق من النظام الدموي.

المسيحييون كانوا مساهمين في بناء العراق الجديد من خلال منظماتهم السياسية وشخصياتهم والنتيجة من مجموع 25 شخصا في مجلس الحكم كان هناك شخصا مسيحياً هو السيد يونادم كنا. لاأتصور في اقليم كردستان أن توجد احزاب كردستانية واحزاب عراقية اصيلة تصبح لديها يوما من الايام فكرة أو هاجس تهميش المسيحيين سواء كشخصيات أو أحزاب ومكونات سياسية مسيحية.

بعدها تمت مناقشة قانون اجتثاث البعث ومسألة كركوك وانتخاب مجالس المحافظات والدستور وغيرها. كثير من الاحزاب الاسلامية الرئيسة سواء من البيت الشيعي أو السني كانوا في البداية ضد الاشارة في الدستور العراقي إلى الأديان والقوميات الأخرى. لكن في الفترة الانتقالية ألّح التحالف الكردستاني عبر فخامة رئيس الجمهورية مام جلال طالباني وممثلي التحالف في مجلس الحكم على تثبيت حقوق الأديان والأقليات الدينية الأخرى كالمسيحيين والصابئة المندائيين والإيزديين الذين لهم عباداتهم وطقوسهم الخاصة بهم ويجب تثبيت خصوصياتهم في الدستور العراقي لأن الدستورالدائم هو القاسم المشترك بين كل اطياف العراق ويجمع بين كافة أديانه وقومياته. وتم تثبيت حقوق الأديان الأخرى في الدستور أخذاً بالرأي العام بين أوساط المسيحيين وموافقة الكنائس الكبرى بسبب وجود خلل في التسميات لدى إخوتنا المسيحيين. وحتى الآن حين يتم مناقشة هذا الأمر هناك جماعات متعصبة من البيت السني والشيعي ينتقدون الكرد بسبب إيلائهم اهتماما زائدا بالاقليات الدينية ويتوقعون حسب نظريتهم الشهيرة-نظرية المؤامرة-التي مازالت موجودة بكثرة مع الأسف لدى ساسة ومثقفي ومفكري العراق بأن هذه الاقليات الدينية ستصبح عبئاً ثقيلاًَ في المستقبل القريب ومعبرا للأجانب للدخول إلى العراق!.

نظرتنا ككرد تختلف عن نظرة الآخرين نتطلع الى عراق جديد ديمقراطي فدرالي تعددي ويكون فيه المواطنين العراقيين سواسية أمام الدستور وكلهم مواطنون من الدرجة الاولى لأن الأنظمة العراقية المتعاقبة حاولت تفضيل جماعة على أخرى وباءت بالفشل ورأيتم ماذا كان مصيرهم وماذا فعلوا بالعراق. نحاول من جهتنا معا تثبيت أفكار التسامح والتعاون وقبول البعض والاهتمام بمشاكل البعض لنقود العراق إن شاء الله الى شاطىء الأمان وإنهاء الأوضاع الشاذة في العراق.

حدثت اثناء عهد النظام الدموي البائد الحملة الإيمانية وحملة تصحيح القومية في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن المنصرم في عموم العراق وغرب نهر دجلة والموصل بشكل خاص وشملت حملة-تصحيح القومية-الاكراد الشبك منهم والكاكائية والكركرية واليزيدية والحملة الإيمانية شملت بدورها جميع الطوائف وإعتبار مركز الأديان وقُبلتها دولة العراق وقائدها صدام حسين بحجة محاربة ووقف التدخل الايراني من جانب الاخوة الشيعة. والهدف من وراء هذه الحملتين-تصحيح القومية والحملة الايمانية-الحفاظ على عروبة الموصل وبقاءها في حضن الامة العربية وضد المد الكردي إلى الموصل!

في الفترة الاخيرة جرت مناقشة قانون انتخاب مجالس المحافظات حول كركوك وبُدأ بالمادة 24 والعجيب في الامر إجماع 127 برلماني عراقي من مختلف الاطياف شيعة وسنة مع البعثيين. حينها قال السيد نوري المالكي رئيس الحكومة العراقية أنه يوجد في البرلمان العراقي مكونين- لايوجد كردي وعربي ومسيحي وإنما اقرار المادة 24 الخاصة بإنتخابات مجالس المحافظات أدّى إلى إفراز مكونين فقط: البعثي واللابعثي!. الذين صوتوا على هذا القانون ضد الكرد وبقوالب جاهزة مفبركة من الدول الاقليمية كاجندة أجنبية على أجندات عراقيةبعثية-ضد العراق. هذا القانون تم التصويت عليه بالأكثرية لعدم حضور الكثير من أعضاء البرلمان ووصل القانون إلى رئاسة الجمهورية التي نقضته وجرت مناقشته من جديد داخل البرلمان العراقي وتمت إعادة النظر في تحالفات -التحالف الكردستاني-مع الاحزاب الأخرى لأن الكثير من الأحزاب الشيعية والسّنية قد صوتت لصالح هذا القانون.

والمادة الاخرى التي جرى النقاش عليها هي المادة 50 من قانون انتخاب مجالس المحافظات المتعلق بالاقليات. نحن بالتحالف الكردستاني كنا ضد مناقشة مسألة اليزيدية والشبك لانهم كرد والايزيدية حتى صلاتهم باللغة الكردية والشبك يتكلمون لهجة هورامان وكوران ولاعلاقة للهجتهم باللغة العربية ولكن بعد نقاش مستفيض قرر التحالف الكردستاني أن يصوت لصالح هذه المادة وذلك لعدم إعتبار التحالف الكردستاني عائقا أمام استمرارية العملية السياسية الديموقراطية القائمة في العراق. واقترحنا التصويت 3-3-1 (3 يزيديين 3 مسيحيين 1شبك) في الموصل و3 مسيحيين في بغداد وصابئي مندائي واحد في بغداد ومسيحي واحد في البصرة أو2-2-1 في الموصل والبقية تبقى على حالها. في هذه المرحلة تم ملاحقة المسيحيين في الموصل بعد تهجير الكرد من الموصل بحدود 16 الف عائلة أي ما يقارب 105 آلاف نسمة والقيام بجريمة في منطقة سنجار وقتل أكثر من500 شخص وجرح الآلاف. تم توجيه الاتهام بتهجير المسيحيين من الموصل الى الكرد. ماذا يستفيد الكرد من إجبار المسيحيين على ترك الموصل. حقيقة لا افهم سبب هذا الاتهام! نقض فخامة الرئيس مام جلال طالباني المادة 24 من قانون الانتخابات. وتم زيارة فخامته من قبل سفير الفاتيكان في بغداد وباركه وشكره على هذا وتم تسليم رسالة من قداسة البابا بينديكت الى فخامة رئيس الجمهورية المام جلال الطالباني حول إيلائه الاهتمام بموضوع المسيحيين في العراق. بعد يومين وصلت رسالة من قداسة البابا حول أهمية الاهتمام بحق المكونات ولو كان قليلا بداية، يطلب فيها الموافقة على هذا القانون(24) لكي لايصبح عائقا أمام العملية السياسية. كذلك السيد السفير كروكر ومنسق الامم المتحدة ديمستورا قاموا بزيارة لفخامة رئيس جمهورية العراق وتم الاتصال بالسيد مسعود بارزاني ورئيس الحكومة العراقية السيد نوري المالكي لقبول المادة 24 وتسيير العملية السياسية في العراق.

هناك نقطة أخيرة هامة وهي أن جميع المكونات السياسية العراقية عدا الكرد تخاف من الانتخابات. هناك تطورات كبيرة ثقافية واقتصادية في وسط وجنوب العراق. من المستحيل حاليا أن يحصل التيار الصدري على نفس عدد الاصوات التي حصلوا عليها عام 2005 وكذلك بالنسبة للمجلس وحزب الدعوة. البيت الشيعي ليس كالتحالف الكردستاني تحالف متين ومتماسك بل أن التحالف السني والتحالف الشيعي هو تحالف هش فهناك في المفوضية العليا للانتخابات في بغداد أكثر من 850 مكون سياسي قدم للمشاركة في الانتخابات فهذا التشرذم حصل في البيت الشيعي والسني. نتوقع وجود اكثر من 15 كتلة سياسية في البرلمان العراقي القادم. فإنتخابات مجلس المحافظات مؤشر كبير على نتيجة الانتخابات التي تجري نهاية العام القادم ما يتعلق بمجلس النواب أو البرلمان العراقي .يحاولون كسب وقت أكبر وأيضا استغلال الاتفاقية الامريكية العراقية. واليوم ولله الحمد إتفق مجلس الوزراء على هذه الاتفاقية عدا وزيرة واحدة من قائمة التوافق فالكل صّوت على الإتفاقية الامنية وسيتم تحويل هذه الاتفاقية إلى مجلس النواب ومن مجلس النواب بعد الرجوع إلى رأي المحكمة الدستورية سيكون التصويت بالأكثرية لابالأكثرية المطلقة. يعني حتى لو تحظى في البرلمان 138 هذه هي النصاب القانوني ف 70 صوت كافي لقبول هذا الموضوع ونحن لدينا في التحالف الكردستاني60 صوت ويمكن الحصول على الاصوات الاخرى المطلوبة. والآن تم الموافقة على قانون الانتخابات وسؤالي للاخوة المسيحيين هنا هو لديكم مسيحيين على قائمتكم وايضا على قائمة التحالف الكردستاني .أتصور أن المسيحيين والكرد والعناصر الطيبة وقوى الديمقراطية والتقدم والقوى العلمانية في العراق سند لبعضها البعض وعلى الحق. لا اتصور أن النهج البائد سيرجع للعراق بوجود قوى(بعثية) ترتدي احيانا اللباس الاسلامي لإعادة النظام السابق والنهج البائد من جديد وسنكون عونا لبعضنا انشاء الله.