محاضرة /المطران ربّان

"لمصلحة من تهجير المسيحيين العراقيين؟"
16.11.2008

 نحن اليوم ومنذ سنوات وتحديداً منذ سنة 2003 عانى العراق ما عاناه وبعد سنوات طويلة ومريرة من المعاناة التي عشناها كالتهجير والتقتيل والإقتتال وتخريب القرى وكنت مع أولئك الذين عاشوا هذه الحقيقة منذ سنة 1961 وبعد أن أمضيت 12 سنة وتخرجت كاهناً عدت مرة إلى القرية التي كنت فيها وولدت فيها وعملت في منطقة العمادية مع إخوتي ومع أهل القرى المسكينة الفقيرة واعزائي البيشمركة الذين كنت معهم في هذه البقعة من كردستان العزيزة.

لم نتعود سابقا في قرانا التي ترعرعنا فيها أن يُشار إلى فلان بالبنان ويقال له بأنه مسيحي أو بأنه مسلم أو بأنه من القومية الفلانية. كنا إخوة ندرس على مقعد واحد وفي مدرسة واحدة نتزاور فيما بيننا نبكي لبكاء من كان يبكي منا ونفرح لفرح من كان يفرح ولا زلنا مستمرين على هذه الحالة.

بعد سقوط النظام السابق درجت أفكار جديدة ودخيلة بعد كل ما كنا نعيشه ولنكن منصفين غطت هذه الأفكار العراق كله من أقصى الشمال كردستان إلى الجنوب. لم تكن هذه الشوفينية ولم تكن هذه الفكرة الاصولية والرجعية للإضطهاد وابعاد وإقصاء شرائح كثيرة موجودة سابقاً.

أتيت اليوم إلى هنا لأنقل القيم التي يجب علينا بغض النظر عن انتماءاتنا الدينية والقومية أن نتعامل مع بعضنا بموجبها وعلى أساسها وكل واحد حر فيما يختاره ويقوله ولكن علينا أن نضع النقاط على الحروف. اليوم كأني بالمسيحيين وقد أصبحوا سلعة تُباع وتُشترى في المزادات العلنية. علينا في هذه المحنة أن نثبت لا أن نذرف الدموع ونبكي. وهناك كلمة ضمن إحدى عناوين محاضرات لقائنا هذا وهي كلمة"أقلية" التي لا تستسيغ لي أبداً. وانا في كردستان البقعة التي تجمعنا كلنا على هذه الارض العزيزة (ستان: معناها أرض) ونحن كلنا على إختلاف إنتماءاتنا القومية والدينية ننتمي إلى كردستان. لذا أرى كلمة "الاقلية" غير عادلة لأن الانتماء الى الوطن لا يُقاس بالعدد إنما بمدى الإنتماء والتجذر وكانت هذه الكلمة سبباً أساسياً للمآسي التي طالت هذه الفئة الدينية وهذا الشعب بسبب انتمائها الى هذه الأرض وتجذرها فيها. لأنها كانت ضحية نظرة ضيقة دينية ما زال ينُظر بها إليها وهذه معي بنود إعلان حقوق الانسان وثلاث نسخ منها جلبتها معي باللغات الفرنسية والعربية والانكليزية التي أعلنت عام 1948 حيث سيحتفل العالم في العاشر من كانون الأول القادم بمرور ستون عاما على إعلانها. هذه المبادىء التي ترسخ حقوق كل فرد ليكون على قدم المساواة مع أي إنسان مهما كانت قوته وجبروته فالجبروت لله وحده. إننا شعب واحد وأصيل وإختلطت دماءنا على هذه البقعة العزيزة من أرض العراق وكردستان.

أقول مرة أخرى لماذا أنظر إلى أخي في الارض والوطن والتاريخ من منظار الدين؟ فالمسيحي الذي ولد من أبوين مسيحيين لم يكن ذنبه أن يولد فيعمد ويتربى في كنف عائلة مسيحية ويتعلم مفاهيمها الدينية المسيحية فيُنظر إليه نظرة تمييز ويقال له هذا مسيحي. وهكذا الحال بالنسبة للمسلم واليهودي وغيرهما. هل يحق أن يُهّجر الانسان ويُقتل وتُغتصب حقوقه بسبب انتمائه الديني ولمجرد كونه مسيحيا أو مسلما أو يهوديا الخ؟ نقول لا لأن الله خلق الانسان وكل انسان ليس افضل من أي إنسان آخر من أخيه الانسان. بل يجب أن تحل المساواة لاننا جميعا افراد في عائلة واحدة كبيرة في هذا العالم وهناك قوانين شرعت ومبادىء حقوق الإنسان ثبتت بعد تجارب مريرة وحروب طاحنة كالحربين العالميتين الاولى والثانية التي أهلكت آلاف وملايين البشر ففكر العقلاء من الناس وفضلوا العقل على السلاح ليضعوا 30 نقطة مهمة لتكون أساس مبادىء حقوق الانسان.

اليوم لكوني لست مسلما أو يهوديا أو مسيحيا أو إيزيديا فلست اخاك وأنت أراك كل يوم أقوم وأجلس معك ألأنك تتحدث لغة تسمى عربية أو كردية أو آرامية أو سريانية تختلف عن اللغة التي اتحدث انا بها تتجبر عليّ؟ ألأنك الاقوى والسلطة بين يديك تتجبر وتظلمني وتحرمني من الحق الذي اعاطاني اياه الله؟ اذا كان الانسان يعرف الحق من الباطل فسوف لن يظلم أخاه الانسان أبداً.

شعب كردستان العزيزة التي سفكت دماءه ودافع عن أرضه لينهي الظلم والطاغوت المسلط على رقابه، اليوم أصبح حراً وتحقق حلمه واصبح له قوة وثقل في بغداد وفي صنع القرار. لماذا لا نتحد جميعا بغض النظر عن هويتنا وقوميتنا ولغتنا وديننا وأن نضع أيدينا بأيدي البعض مهما كانت الانتماءات لنكون أقوى معا فالاتحاد قوة.

ومهما كانت المعاناة أليمة وقاسية فعلينا نحن المسيحيين أبناء هذه الأرض وهذا الوطن أن نتشبث بأرضنا ولا نهاجرها. الشعب الكردي والكردستاني عانى طويلا لكنه صبر وتشبث بأرضه وترابه وبعد هذه المعاناة الطويلة أتى الفرج عليه أخيراً. بعد سنة 1988 بعد عمليات الأنفال المشؤومة التي أدت إلى تهجير وتدمير أكثر من اربعة آلاف وخمسمئة قرية وقالت الحكومة السابقة ان كردستان وشعبها من مسيحيين وكرد وكافة القوميات والمذاهب قد ماتوا الى وإلى الأبد. لكن قدرة الله هي أقوى من ظلم الظالمين حيث انتفض الكرد وعادوا عزيزين اقوياء بعد كل هذا الظلم الكبير ولهم الآن كلمة قوية وفعالة في صنع القرار في العراق.

المسيحيون يا اخوتي الكرد هم الان قوة وليسوا بأقلية وقوتنا هي قوة لكم وقوتكم هي قوة لنا. هل تريدون أن نبقى بعيدين ومهمشين وليس لنا حقوق في الدستور العراقي انا اليوم من هذا المنبر الغر اطالب بحقوق المسيحين والايزيدين والاكراد وغيرهم ضمن الدستور الذي يجب أن يشرع دون النظر الى العدد أو من خلال منظار الدين الذي كثيرا ما استخدم لممارسة الظلم والطغيان على الآخرين. أيضا صيانة حقوق المسيحيين في دستور العراق ودستور اقليم كردستان العراق. هل لانني مسيحي ساكون مواطنا من الدرجة الثانية في موطني؟ فمتى سنصل الى مستوى اوروبا حيث فصل الدين عن الدولة ولا ينظر الى الإنسان إلا من خلال كونه إنسانا بغض النظر عن لونه وعرقه ودينه وقوميته الخ؟ ولنا خير مثال على ذلك الانتخابات الاخيرة في الولايات المتحدة الامريكية وانتخاب باراك أوباما ذو الجذور الافريقية والاسود اللون الذي حقق حلم مارتن لوثر كينغ بعد أربعين سنة وفقط النظر إلى الانسان من خلال انسانيته لقد تحقق هذا الحلم في امريكا.

أما في شرقنا وفي كردستان فما زال التفريق على أساس الدين مستمرا ومتواصلا مما يعيق التقدم والتطور لدينا. ولولا الفئة التي تقودنا والتي تملك فكرة منيرة ونيّرة منفتحة لما استطعنا فتح الطلاسم وتحقيق التطور والتحرر وإنسانية الانسان. واللوم علينا نحن المسيحيين لاننا نهاجر من أرضنا حتى بقينا عددا ضئيلا لايؤبه به احيانا وأيضا علينا أن نتحد فيما بيننا لنصبح قوة يُحسب لها الحساب من قبل جميع الاطراف وايضاً أن نفضل المصلحة العامة ومصالح شعبنا على مصالحنا الشخصية.

رؤية اخوتنا الكرد في كردستان العزيزة ما زالت غير واضحة تجاه المسيحيين ويجب السير على نهج القائد المرحوم ملا مصطفى بارزاني الذي كان ذو رؤية وموقف واضح وكان هناك رغم الظروف الصعبة بصيص نور وأمل. اليوم على كل واحد منا أن يُطالب بحقوقه ويكافح بكافة الوسائل لنيل مطالبه وحقوقه المشروعة. وأن نتحالف مع من يساعدنا للوصول الى مبتغانا. تشرذمنا وتشتتنا ضعف وضياع لنا والايمان والتشبث بالتراب والارض قوة لنا. هذه قوتنا التي هي أقوى من غيرها مهما كانت.

إن كل ما حدث في العراق والموصل مؤخرا ليس وليد شهراً لأن ما حدث هناك بعثت خطابا إلى الفاتيكان ونُشر في المواقع تضمن بعض الافكار أنه حين يكون هناك تزمت وتقوقع والاصولية والتكفيرية والسلفية والنظرة الضيقة على أساس الدين وتهميش واقصاء الآخر تكون العواقب لا شك وخيمة.

المشكلة في كردستان لم تكن دينية بسبب الدين لان الاكراد كانوا أوفى للدين من العرب وضحوا كثيرا لأجل دينهم لكن الآخرين لا يعترفون بذلك للكرد وإنما ينسبون ذلك لانفسهم. وبعد 1991 نرى كردستان دولة وإن لم يتم الإعتراف بنا. لكن لنا حكومة وبرلمان وإدارة ذاتية ومدارس ولكن علينا أن نكون نموذجا لغيرنا كما يقول الأب ريتوري الدوميني وترجمها المرحوم عزيز نباتي حيث يقول أحد المفكرين سنة 1947 لو أُتيح لكردستان أن تعيش بسلام ويتحرر هذا الشعب ستكون كردستان سويسرا الثانية، واليوم نحن على هذا الطريق. لو قارنا ما نحن فيه مع ما حدث في الموصل هل يقبل الله ما حدث من تقتيل وتهجير للمسيحين من الموصل. ونحن الآن في عنكاوة التي كانت أصغر بكثير قبل ثلاث سنوات ولكن بسبب تهجير المسيحيين والكرد ترون كم كبرت الان وزاد عدد سكانها. واشرت في خطابي الى الفاتيكان الى انه قتل اكثر من 1200 كردي في مدينة الموصل. وهنا معلومات غير دقيقة ان العوائل الكردية لم يبق منها الا جزء صغير كانوا قد استقروا قبل سبعين سنة واعرف بعضهم شخصيا قتلوا فقط لكونهم كردا. عدد المسيحيين الذين قتلوا خلال هذه السنوات الاخيرة في مدينة الموصل يربو على 170 شخصا ولديّ اسمائهم فردا فردا ونشرت على بعض المواقع الالكترونية على الانترنت. علينا أن نكون سداً منيعا أمام من يعمل على بث هذه الأفكار المسمومة في المجتمع. من أفكار تكفيرية وتهميش وإقصاء والغاء للآخر والتقوقع على الذات وسابقا لم تكن هناك مثل هذه الأعمال واليوم من يستطيع العيش آمنا بسبب الإرهاب الخبيث؟

إن ماحدث في الموصل حدث جلل لن يغفره التاريخ والأجيال القادمة. وعلى الحكومة العراقية أن تعلن للملأ عن حجم الجريمة وخطأها في معالجته بسرعة وأن تعمل على وقف هذه الاعمال البشعة بحق مكون أساسي من مكونات الشعب العراقي عملت منذ القدم على بناء هذا الوطن وحضارته العريقة وتراثه وتاريخه وتطوره أيضاً. فهذا المكون الوفي لتاريخ وطنه وأرضه لا يستحق أن يُعامل بهذ الطريقة.