هل قضيتنا قومية ام دينية..

عمانوئيل خوشابا نائب الامين العام للحزب الوطني الاشوري
18.11.2008

المقدمة

منذ نهاية القرن الاول الميلادي بدأت المسيحية تنتشر في هذه البقاع التي نسميها نحن (الكلدان السريان الاشوريين) بيت نهرين، المسيحية دين عابر للقوميات، فقد قال المسيح لتلاميذته (اذهبوا وتلمذوا الامم)، وكان من نصيبنا ان تلمذنا على يد حواري السيد المسيح الاثنين والسبعين وهو توما الرسول ومار ادي ومن ثم تلميذ الاخيرمار ماري، لم يعتنق شعبنا المسيحية الا رويدا رويدا حتى ان بعضهم بقى على ديانته القديمة. لكن ثقافة هذا الشعب واستمراريته لما تتأثرا بل الذي حدث هو عودة الشعب الى الابداع الحضاري ورفد العالم بالجديد في مجالات الافكار والعلوم. ويمكننا اليوم الحكم على تلك الفترة بالقول ان شعبنا قد عاد ليلعب دورا حضاريا يوازي دوره ابان تاسيسه للامبراطوريات الاكدية والاشورية والبابلية الحديثة، وبعد اعتناقه المسيحة دخلت التسمية السريانية منطلقة من الاغريقية لهذه البقاع من الارض، لحد ان التسمية السريانية صارت دلالة على الشعب المسيحي، ولكن هذه الدلالة زالت بعد مرور قرون حيث ان جل من حافظ على تراثه وقيمه كان من اعتنق المسيحة عدى اخوتنا المندائيين. وبالتالي فكلمة السرياني ذات المدلول المسيحي صارت تحوي الشعب كله الذي تطابقت لديه القومية والدين كنتيجة حتمية لامتداد الدين الاسلامي في المنطقة .

 الحركات القومية وبداياتها في اوربا وانتقالها والنظريات التي تسيير هذه الحركات .

يعد القرن التاسع عشر عصر القوميات بأمتياز، فبعد انتهاء الحروب النابليونية في اوربا في 1815 وقرارات مؤتمر فيينا للدول المنتصرة على فرنسا، بدأت جغرافية اوربا تتغير من حيث رفض الدول للحلف المقدس بين امبراطوريات روسيا والنمسا وبريطانيا وظهور الحركات التحررية في ايطاليا، واسبانيا، اليونان، بلجيكا، بولونيا والمانيا. وتحقق الوحدة وظهور القوى الجديدة المتمثلة بألمانيا في عهد المستشار بسمارك عام 1864، وايطاليا في عهد غاريبالدي عام 1861.

ومن حيث ان لكل فكر لابد من وجود نظرية تسيره، فأن الفكر القومي تسيره نظريتان في الاساس وهي النظرية الالمانية والتي تدعى نظرية الرس او العرق، اما النظرية الثانية فهي النظرية الفرنسية التي تعتمد على المشيئة او الشعور، ولكل مدرسة مريديها وفلسفتها ودعاتها، وتناحرت المدرستان مع سيطرة الالمان بعد معركة سادان عام 1870 على مقاطعتي الالزاس واللورين .

ثم بدأ الفكر القومي يتبلور وخصوصا على الشعوب التي كانت مضطهدة من قبل الامبراطوريات ومنها بالتأكيد العثمانية حيث كانت تحت حكمها المجحف العديد من القوميات  .ولكي لا نحمل الكلمات اكثر مما تتحمل نود ان نقول ان كلمة القومية هي وليدة التطورات الاقتصادية والعلمية والفكرية وبروز الطبقة الوسطى في اوربا ومن ثم انتقلت الى شرقنا، ونحن اخذناها كتعبير عن وحدة كل المتشابهين او المتماثلين في الميراث الحضاري واللغة والتاريخ والعرق، الا اننا كبقية شعوب المنطقة، اخذنا الفكر القومي وعملنا على توحيد شعبنا تحت الراية القومية منذ نهايات القرن التاسع عشر، وكانت امام الفكر القومي مصاعب كبيرة عليه  اجتيازها، لكي ياخذ مداه، فتمكن من بعضها وتمكنت منه او من حدته البعض الاخر، فحاول الفكر القومي المصالحة مع العشائرية في بداياته وتمكن من تاسيسي المجلس القومي الاشوري في اورميا بعد الهجرة الكبرى عام 1914 ، حيث وقفت قوة العشائر في دعم المجلس وترأس المجلس حينها مار بنيامين الشهيد بطريرك الكنيسة المشرقية (النسطورية كما كانت تطلق عليها في حينها) ، في حين ان بقية الكنائس الاخرى لم تمتلك تلك القوة العشائرية،ومع تقدم الاحداث وفي مراحل اخرى كانت العشائرية عامل اعاقة للفعل القومي الذي بدأ في نهايات القرن التاسع عشر من حيث ان بقية الامم او تحديدا القوميات بدأت تودلج فكرها القومي في منظور سياسي من خلال تأسيس الاحزاب السياسية بينما بقي شعبنا (الكلداني السرياني الاشوري) بعيدا عن هذا الفعل لاسباب عديدة اهمها الابقاء على مفهوم القيادة الدينية للأمور الدنيوية والعشائرية المتسلطة حينها، كذلك عدم الاخذ بمقترحات مؤتمر الصلح في باريس 1919 بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى للمطالب التي قدمها ممثلوا شعبنا الى الامم المنتصرة، كذلك   كانت نتائج مذبحة سميل في آب 1933 وفقدان الثقة بالآخر في الوطن وتهجير آلاف العوائل الى سوريا المجاورة،وقبلها كان الفشل من نصيب مؤتمر سر عمادية 1932 من حيث المطالب التي قدمت للحكومة العراقية في حينها.  اضافة الى تقسيم شعبنا بين الدول المشكلة حديثا على اثر تقسيم الامبراطورية العثمانية بعد معاهدة سايكس بيكو 1916، فقسمت شعبنا المتواجد في السلطنة العثمانية الى الدول الحديثة الناتجة عن خسارتها للحرب، فضم قسم منه الى ايران وقسم الى العراق وقسم الى سوريا وبقى القسم الاخر في الاراضي التي وقعت ضمن تركيا الحالية، وهذه الحالة نفسها عاشها الكورد وربما العرب بصورة اقل، اي حالة التقسيم، ولكن الطامة الكبرى ان شعبنا بالاضافة الى تقسيمه، عانى من مجازر كبرى قبل وابان الحرب الكونية الاولى ادت الى فقدانه ما يقارب ال 750000 سبعمائة وخمسون الف من افراده بين النساء والاطفال والشيوخ نتيجة لفتاوى الجهاد التي اعلنتها الامبراطورية العثمانية ضد شعبنا والارمن، هذا اضافة الى فقدانه جل متلكاته سواء الاراضي او ممتلكات مادية اخرى كانت تعينه للعيش.

اتفاقية كادت تنصف شعبنا لكنها ذهبت ادراج الرياح ..

كادت اتفاقية سيفر آب 1920 حيث قررت الامبراطورية العثمانية التخلي عن اقاليمها في اوربا واسيا وافريقيا، كادت هذه المعاهدة ان تنصف شعبنا وبقية الشعوب الاخرى من حيث دراستها لقضية شعبنا، كما نصت المادة الثانية من القرارانه في حال تشكيل كيان قومي فسيكون للآشوريين الحق في الاستقلال،كما اتخذ المؤتمر قرارات باعادة المهجرين الى اراضيهم . فان هذه الاتفاقية ولدت ميتة لان الانتصارات التركية بقيادة كمال اتاتورك قبرتها قبل ان ترى النور، وخلفتها اتفاقية لوزان عام 1923 والتي نصت على احترام تركيا لحقوق الشعوب المتعايشة فيها الا ان هذا النص لم يطبق بالنسبة لشعبنا الذي بقى في تركيا ولا طبق  ما نصت عليه الاتفاقات التي اقرتها الدولة العراقية على نفسها لضمان حقوق الاقليات.

فلماذا نعاني من مشكلة التسميات نحن اكثر من غيرنا.؟ فشعبنا وبشهادة كل منصف او حتى قارئ التاريخ، سواء المتسمي بالكلداني او الاشوري او السرياني هو شعب واحد لغة وتاريخا ومصلحة. ان اعتراف الدولة العثمانية بالملل وهو نوع من التنظيم الديني للمسيحيين في الامبراطورية قسم شعبنا حسب كنائسه وحسب الكنائس الاممية التي كانت تدافع عنه في حينها، حيث الكنيسة الكلدانية كانت تابعة لسلطة الفاتيكان والكنيسة الارثدوكسية للأمبراطورية الروسية، ان هذا النظام حافظ على نوع من الاعتراف الضمني بالتعددية الدينية للسلطنة العثمانية والتي كانت مبنية على الاساس الديني، حيث الخليفة هو ولي امر المسلمين، كافة المسلمين بغض النظر عن قوميتهم ومذهبهم . ولذا لما بدأت الحركة القومية العربية او الكوردية بالظهور فانها ظهرت وبرزت كحركة قومية ترغب في فصل نفسها عن الدولة العثمانية بالرغم من الدين المشترك، ولكن الحركة القومية التي ابتدأت بالتسمية الاشورية منذ منتصف القرن التاسع عشر، كانت حركة قومية الا ان لها ايضا بخصوصية دينية من حيث كل المنتمين لهذه الامة وهذه الحركة هم من المسيحيين، والعمل تحت لواء هذه الحركة وهي متحالفة مع الكنيسة الشرقية ذات المخالب القوية من قوة العشائر الشبه المستقلة كان يزرع الخوف في الكنائس الاخرى كما اسلفنا، لذلك كانت هذه الكنائس ترى نفسها تحت ضل الحكام المسلمين اكثر امانا من العمل مع اخوتهم في الانتماء القومي من حيث الصراع الكنسي المعروف للقاصي والداني، ولان معنى ذلك ازالة الحواجز التي بنيت بين ابناء العرق الواحد والشعب الواحد، وزهور بطلان الفروقات بين المؤمنين وامكانية استيلاء الكنيسة القوية على مؤمني الكنائس الاخرى سواء من ناحية الاعجاب بقوة الاخر او بظهور الحقائق عن وحدة التراث والطقس والايمان الرسولي.

الواقع في ظل المتوارث ..

اليوم لا زلنا كشعب (كلداني سرياني اشوري) نعاني من ذات المشكلة التي توارثناها عبر قرون،وبالتالي من مشكلة التسمية المرافقة لها، ولذا فقد انتشرت بين الكثيرن التسمية المسيحية لنا كافضل حل من ذكر الاسم الطويل (الكلداني السرياني الاشوري) الذي باتت اغلب قوانا السياسية متفقة عليه لحل اشكالية التسمية كمرحلة مؤقتة ستحل في ما بعد. الا انه هناك بون شاسع بين حقوق شعبنا (الكلداني السرياني الاشوري) بصفته المسيحية عن صفته القومية، فحقوق المسيحيين يمكن ان تنحصر في ضمان ممارسة شعائرهم فقط فحتى التبشير بدينهم او رد لاقوال البعض عن هذا الدين قد يكون غير ممكن لانه قد يفسر الاساءة الى الدين الاسلامي. وفي مسيحي العراق هناك اليوم مسحيين يقرون بعروبتهم ومسيحيين اخرين من الكورد على الاقل المعتنقين حديثا للمسيحية، فاي حقوق تكون لنا كشعب، مختلفة عن المسيحيين الاخرين، من الناحية القانونية لا يمكن القول ان المسيحيين من الغير العرب والكورد سيتمتعون بحقوقهم الثقافية والسياسية والاداربة حسب المادة 125 من الدستور العراقي او سيتمتعون بحقهم في الحكم الذاتي حسب المطلب الذي بات يحضى بموافقة الغالبية من قوانا السياسية القومية. بالطبع هذا غير ممكن قانونيا واخلاقيا وانسانيا . فالدين بما هو خيار حر لفرد عاقل يضمن القانون له حق الاعتقاد وممارسة شعائر المعتقد الذي يؤمن به والجهر بايمانه. في حين ان الحقوق القومية للشعوب تختلف عن ذلك، فبالاضافة الى ما ينص عليه القانون الدولي من حق الشعوب في تقرير مصيرها، فان الشعوب او الامم والقوميات تعبر عن نفسها بشكل جماعي من نواحي معينة وبالاخص من النواحي الثقافية والحضارية والحضور في المجتمع الدولي او الوطني وضمان تطوير الشعب من خلال تطوير الفرد ثقافيا وعلميا والعمل من اجل ضمان مصالح افراد الشعب بالمساواة مع افراد بقية الشعوب في كل النواحي، هذا من الناحية الطبيعية ولكن نحن كشعب لنا ناحية اخرى او جانب  وقد كان سببها جيراننا الاخرين، صحيح ان نتائج هذه الناحية قد ولدت بتاثيرات دينية خالصة، الا انه تبقى لهذه الشعوب من الناحية التاريخية مسؤولة عن رد ولو جزء ضئيل من ذلك الحيف المقترف بحق شعبنا (الكلداني السرياني الاشوري). فالمذابح المتتالية التي اقترفت بحق شعبنا ومن كل الطوائف فيه قللت من عدده الى حد كبير، فمن ناحية حدت من التكاثر الطبيعي كاي شعوب اخرى ومن ناحية اخرى قتلت مئات الالاف وفي مراحل مختلفة كان يمكن ان تشكل اليوم قوة كبيرة لا يمكن تغاضي في الاخذ برايها وقد تكون توازي بقية الامم في عددها لو احتسبنا عدد الضحايا وبعملية حسابية نتيجة للزيادات الطبيعة . لكن واقع اليوم فان شعبنا مهدد بوجوده وهويته التي يشكك بها دائما، فهل سيكون ثمن كل هذا اللامبالاة بشعبنا وبمصيره.؟ ام ان شعبنا بعد ان بات يدرك مصيره المحيق به مستقبلا في حالةعدم الاقرار بحقوقه كشعب واحد ذو خصوصية حضارية وثقافية ويحق له التعبير عن نفسه بشكل يمكنه من ضمان تطوير ذاته، وبمساواة تامة مع بقية فئات الشعب العراقي، ان ارهاصات التململ في شعبنا باتت تظهر وان لم تظهر بصورة عشوائية ، لكنها بالتاكيد لن تصب في خدمة العراق ولا في خدمة الديمقراطية الوليدة في العراق الجديد، ومن هنا على الكتل السياسية الكبيرة التعامل مع  الشعب (الكلداني السرياني الاشوري) وقواه السياسية كما تحب ان يتعامل الآخرون معها ولا تدخل في حسابات الربح والخسارة .

خلاصة هذه المتابعة

على مر الازمنة والقرون تعرض شعبنا الى الكثير من السياسات التي سعت الى الغاء هويته وتحديدا القومية منها، فمن الامبراطورية العثمانية ومن بعدها الحكومات العراقية المتعاقبة وربما لحد يومنا هذا مازال هناك ذات النظرة من الآخر تجاه شعبنا، على ان الانظمة السابقة وكي تتخلص من المطالب القومية لشعبنا تعاملت معه وفق الاساس الديني المسيحي لابل حتى البعض ذهب الى جعل ممثلي الشعب من رجال الدين في مجلس النواب والاعيان وغيره، وربما هناك البعض من ساسة العراق اليوم يذهبون بذات الاتجاه من حيث عدم اشغال فكرهم بالمطالب القومية والتعامل مع شعبنا (الكلداني السرياني الاشوري) على اساس ديني بحت وتحت مسمى المسيحي، بينما لا يرضى هو او اي احد غيره بالتعامل معه من خلال رجال الدين الاسلامي كممثلين للشعب، مستغلين بطبيع الحال قلة العدد في شعبنا وسهولة التعامل مع الشعب من خلال الدين على التعامل معه من خلال طرح القضايا السياسية، وهناك ربما من يعتقد ان دول اوربا والفاتيكان واميركا سيدعمون المسيحية ويتناسون مصالحهم الدولية . اننا لانلغي ديانتنا لكن قضية شعبنا لم تتأسس على المفهوم الديني، فمنذ اول وثيقة قدمت في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 ولحد يومنا هذا كانت مطالب شعبنا قومية بحتة بالرغم ممن كانت شخصية الذي قدم هذه الطلبات من رجال الدين او السياسة، ان احزابنا القومية التي تأسست منذ اربعينات القرن الماضي وما تلاها لم تكن احزاب دينية بل كانت احزاب ذات رؤى وطنية وقومية بحتة بالرغم من حملهم للصفة الدينية المسيحية، ان التعامل مع شعبنا (الكلداني السرياني الاشوري) على اساس المسيحية كان الخطر الاكبر في جعل متشددي الدين الاسلامي يواجهونا كخطر محدق امامهم، وكذلك تصوير شعبنا على مذهب ودين القوات التي اتت الى العراق فهذه النظرة توارثوها منذ ايام الخلافة الاسلامية ولم تنتهي ولن تنتهي حتى يومنا هذا، لذلك يتصورنا البعض على اننا ضيوف في وطننا ولسنا ابناء اصلاء لهذا الوطن وعلى هذا الاساس يتم التعامل مع قضية شعبنا (الكلداني السرياني الاشوري)، وكل حق نطالب به هو تقسيم وانفصال عن الوطن وهو دعم للأجنبي .؟ .