كوردستان والتعايش الديني

د. محمد سيد نوري البازياني

ورقة ألقيت ضمن حلقة دراسية أقيمت في قاعة الجمعية الثقافية الكلدانية في عين كاوه، تحت عنوان: نحو حل ديموقراطي لقضية المسيحيين في العراق.المقامة من قبل رابطة كاوه للثقافة الكوردية و الجمعية الثقافية الكلدانية أيام 16-17- 18/11/2008 .

 

أبدأ ورقتي المتواضعة بسرد مشهدين من المشاهد التي لا تنسى كمدخل للتعايش والتعانق بين النصرانية والإسلام، حيث نتخطى الحاضر الى الماضي التليد، فلننتقل من هذه القاعة الى الحبشة والطائف.

المشهد الأول:  التعانق في الحبشة:

حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة الى الحبشة لما اشتد عليهم العذاب والأذى من قبل بني جلدتهم قريش، حيث قال: (( إن فيها رجلاً (يقصد الملك النجاشي) لا يُظلم الناس عنده ))، فلما رأت قريش ذلك ، أرسلت الى النجاش رسولان لهما علاقة وطيدة مع الملك العادل النجاشي مع هدايا كبيرة من أجل استرجاعهم، لكن النجاشي بعدما استمع الى رئيس وفد المهاجرين جعفر ابن عم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم عند قرأته لسورة مريم ، بكى حتى اخضلَت لحيته، ثم قال لهم: (( إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، ثم التفتت الى رسولي قريش قائلاً: انطلقا، فلا والله لا أسلمهم اليكما، ولا يكادون))،ثم رد إليهما هداياهما، وزاد استمساكه بالمسلمين الذين استجاروا به، وعاد الرسولان الى قريش خائبين.

 من هذا المشهد نرى أن النصرانية والإسلام من مشكاة واحدة، وأيضاً يؤكد ما هو بديهي الثبوت من أن الأنبياء كلهم إنما جاؤوا بعقيدة واحدة لم يختلفوا حولها بعضهم عن بعض قيد شعرة.

 

المشهد الثاني:  التعانق في الطائف:

لما نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى، خرج الى الطائف يلتمس النصرة من قبائل ثقيف، ويرجو أن يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله عز وجل، فلم يجيبوه الى ذلك ، ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونهم ويصيحون به، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أن رجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم لتدميان، وزيد بن حارثة (خادمه ورفيق سفره) يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه عدة شجاج، حتى وصل رسول الله الى بستان لعتبة بن ربيعة، فرجع عنه من سفهاء ثقيف كل من يتبعه، فعمد عليه الصلاة والسلام، وقد أنهكه التعب والجراح. الى ظل شجرة عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه. فلما اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الظل، رفع رأسه يدعو بهذا الدعاء: ((أللهم إليك أشكو ضعف قوتى، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم الى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك  )).

ثم إن ابني ربيعة صاحبي البستان تحركت الشفقة في قلبيهما، فدعوا غلاماً لهما يقال له (عداس)، فأرسلا إليه قطفاً من العنب في طبق، فلما وضع عداس العنب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : كل، مد الرسول يده قائلاً : بسم الله، ثم أكل، فقال (عداس) متعجباً: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له الرسول: ومن أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ قال : نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك أخي، كان نبياً وأنا نبي.. فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه)).

ما أشبه اليوم بالبارحة حيث أن أحفاد يونس بن متى يقتلون ويشردون ويهجرون من ديار آبائهم وأجدادهم (نينوى) ويتعانقون مع إخوانهم في كوردستان، على أمل رجوعهم الى أحضان نينوى بعدما تنجلى ضباب الظلام والقتل والحقد عن أعين ناس ارتضو بأن يكونوا أداة بيد أيادي دنيئة لا تعرف الرحمة.

ولكون أغلبية الشعب العراقي والكوردي من المسلمين، كان من البديهي من أن نسلط الضوء على موضوع مهم ألا وهو كوردستان والتعايش الديني، وحقوق المواطنين غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، حتى تنجلي الغبش عن أعين الذين يصيدون في الماء العكر، ويدعون بدعوى الجاهلية الأولى، من القتل والتشريد والغصب، والإسلام من أعمالهم هذا براء، كالذئب من دم يوسف عليه السلام.       

 

التسامح والتعايش الديني في الإسلام:

إن التنوع في المواطنة قد استوعبه الإسلام تشريعاَ وتطبيقاً، فالشريعة يتسع ظلالها للمسلمين وغير المسلمين، وتأريخ دولة الإسلام كله يشهد واقع الحياة المشتركة المتعاونة بين المسلمين وغيرهم داخل الوطن الإسلامي. وهذه الحقيقة مما يدل على انسانية الإسلام وسماحته بقدر ما يدل على أن الاختلاف في الدين ليس من شأنه الحيلولة دون التعايش السلمي بين المسلمين وسائر أتباع الملل والنحل.

أما عن وضع جميع المواطنين في الدولة الإسلامية، بصرف النظر عن أصلهم العرقي أو انتمائهم الديني، فإن الجميع مكرمون من حيث إنسانيتهم، وهذا التكريم منحة ربانية ليس من حق أي انسان أو جهة إلغاؤه أو الانتقاص من قدره أو التنازل عنه.

قال تعالى :  [ ولقد كرمنا بني آدم....] سورة الإسراء :الآية 70. ودولة الإسلام في هذا الخصوص أولى برعاية هذا المبدأ الرباني, باعتبارها دولة تصبو الى تحقيق جميع مقاصد الشارع الحكيم. وامتداداً من ذلك: تقرر مبدأ المساواة بين البشر، ويكون التفاضل بحسب تمثيل كل لمراد الله تعالى وتقديمهم النفع لإخوانهم في البشرية ، أو حسب المصطلح الديني بالتقوى والعمل الصالح. وأدناه بعض المبادىء الرئيسة لحقوق المواطنين غير المسلمين ، حتى يتيبن للقاصي والداني أن الأعمال الوحشية التي تقوم بها الزمر الضالة في بعض الأحيان بإسم الإسلام والإسلام منهم ومن أعمالهم برآء وبالأخص تجاه غير المسلمين في محافظة نينوى:

-     يشترك جميع المواطنين في المجتمع في التمتع بحقوق المواطنة على أساس المساواة (لغير المسلمين ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين) إلا ما تتطلبه ضرورة احترام الخصوصيات الدينية، كما أن غير المسلمين يستثنون من الخضوع للشريعة في امورهم الدينية. فيتمتع الجميع بحق الحماية على النفس وما يتبعها من مال وأهل وعرض من أي اعتداء، وحق توفير مقومات الحياة الكريمة، وحق العمل والكسب والتنقل الحر لتسخير طاقاتهم الإيجابية، وفرض التوظف في الدولة كما حدث في حكومة الشيخ محمود الحفيد ملك كوردستان حيث تم اختيار (كريم عه له كه ) وزيراَ للمالية والإقتصاد في حكومته حيث كان أهلاً لذلك بالرغم من أنه مسيحى ملتزم بدينه ومعروف بوطنيته وكفائته.

-     حقوق المواطنين في الدولة الإسلامية وحدت ضماناتها في صميم الدين الإسلامي، فتخطى باستقرارها في النفوس استقرار الإيمان بتعاليم الإسلام ذاتها.. كما تخطى بالثبات ثبوت المقررات الشرعية التى لا تتبدل، وبتواصي المسلمين بعضهم البعض بالتزام الواجب الديني فبهذا الخصوص وإزالة ما يعترض طريقه، ومصداقية ذلك محفوظة في مواقف العلماء والصالحين من أبناء الأمة طوال تأريخ التعايش بين المسلمين وغيرهم.

-     من الثابت تأريخياً وواقعياً أن المسلمين اقدر الناس على التعايش السلمي والإيجابي مع المخالفين لهم في الدين ما داموا ملتزمين بإسلامهم الحنيف.

-     حماية غير المسلمين في البلد الإسلامي من الظلم الداخلي، حيث يجب على الدولة المسلمة أن تمنع أي مواطن من أن ينال من مواطن آخر وبالتالي يجب على المسلمين بحق الأخوة الدينية منع أي مسلم من أخيه المسلم وبحق الوفاء بالعهد منع أي مسلم من مواطن غير مسلم. وعلى المواطنين غير المسلمين المشاركة في منع الظلم منهم على مسلم أو على بعضهم بموجب ولائهم للدولة، ووفائهم بما تتطلبه الحياة المشتركة، والآيات القرآنية متواترة في النهي عن الظلم الذي يوجب سخط الله في الدنيا والآخرة، فيؤدي الى الخسران في الدنيا وعذاب بئيس في دار القرار كما تتوارد الأحاديث النبوية على تشنيع الظلم والظالمين، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (( ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه حقاً، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة)) رواه أبو داوود، وقوله (( من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه، خصمته يوم القيامة)) رواه الطبراني.

-     وحرص العلماء على ذكر هذا الحق في كتبهم على سبيل المثال لا الحصر، يقول ابن قدامة صاحب المغني(( إذا عقد أي الإمام- الذمة فعليه حمايتهم من المسلمين ، وأهل الحرب ، وأهل الذمة، لأنه التزام بالعهد حفظهم)).. ولا يقتصر هذا الالتزام بطبيعة الحال على الإمام فحسب، بل يقع كذلك على جميع المسلمين وأكد القرافي هذه النقطة قائلاً: (( إن عقد الذمة يوجب حقوقاً علينا لهم، لأنهم في جوارنا وخفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك، فقد ضيع ذمة الله  تعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام)).

-     حماية النفس، الحماية على النفس بمثابة حق الحياة، وحياة الإنسان مقدسة لا يجوز لأحد أن يعتدي عليها (( أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)). إذا كان قتل المسلم بغير حق موجباً للخلود في جهنم، فقتل المواطن غير مسلم بغير حق يحرم من دخول الجنة.. قال صلى الله عليه وسلم : (( من قتل معاهداً في غير كنهة حرم الله عليه الجنة)) رواه احمد.

-     حماية المال ترتب على وجوب الحماية على النفس وجوبها على الأموال، فإن حرمة المال من حرمة النفس، كما ذكره الكاساني، ولا فرق في هذا بين مال مسلم ومال غير مسلم كما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (( إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ، ودماؤهم كدمائنا))، وتكون الحماية على جميع أنواع الإعتداءات على المال من سرقة أو غصب أو هلاك، أو ما إليها، ذلك لأنه لا يحل أخذ مال امرىء إلا بطيب نفس، فلا يجوز انتزاع الملكية نشأت عن كسب حلال إلا للمصلحة العامة قال تعالى : [ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطلٍٍ].

مما تقدم يتضح لنا من أن المسلمين يلتزمون في علاقاتهم الإنسانية ومن ضمنها العلاقة بغيرهم بالمبادىء الخلقية الثابتة الواضحة المنتهية، أهمها: التكريم،والرحمة، والمحبة، والعدل، والمساواة، والمعاملة بالمثل، والتمسك بالفضيلة،والحرية، والتسامح الديني، والتعاون ، والوفاء، وأن أية عمل خلاف ذلك فليس من الإسلام بشىء، والله الموفق والهادي الى السواء السبيل.