الصفحة التاليةطباعة

تقديم الكتاب

ان كتابة تصدير لكتاب يبحث في مواضيع حساسة ودقيقة ومهمة ليست بمهمة سهلة بل هي معقدة بقدر القضايا المعقدة التي يبحثها الكتاب .
وهذه الحقيقة تنطبق على حالة هذا الكتاب الذي يبحث في مسائل لها صلة وثيقة بحالة الكورد واوضاعهم المتشابكة في المعادلة السياسية الدولية المعقدة اصلاً والتي هي اساساً وكما يقول بذلك عالم السياسة الامريكي المتخصص بالسياسة الدولية (هانز مورغنتاو Morgenthau) "صراع من اجل القوة والسلطة" . في خضم هذا الصراع (وبالاخص في منطقة الشرق الاوسط) فان القضية الكوردية تحتل مكانة بارزة التي تتكالب عليها المصالح الدولية بشكل يؤدي في اغلب الاحيان (اذا لم نقل في كل الاحوال) الى "اهمال" و "نسيان" النقطة الجوهرية: المصلحة الوطنية الكوردية!! وقد اتخذ التعبير عن هذه المصالح الدولية اشكالا مختلفة منها : السيطرة المباشرة على كوردستان او اجزاء منها، صهر القومية الكوردية في اطار القوميات الكبرى الاخرى التي تتواجد فيها المشكلة الكوردية، محاولة ابادة العنصر الكوردي......الخ
ومع بزوغ ملامح النظام الدولي الجديد New World Order والمستند على دعامتين رئيسيتين :الديمقراطية وحقوق الانسان وذلك في نيسان 1990 ، فان موقع القضية الكوردية قد تغير في المعادلة السياسية الدولية حيث ولأول مرة في تاريخها خصص لها قرار دولي صادر عن مجلس الامن الدولي ألا وهو قرار ٦88 الصادر في نيسان 1٩٩1 حيث اشار القرار الى اضطهاد وملاحقة الكورد في العراق .
وبتطور الاحداث وصولاً الى احداث 11 سبتمبر ٢۰۰1 حيث على ضوئها اعلن الرئيس الامريكي جورج بوش الحرب على الارهاب وحدث بعد ذلك حربين مهمتين : الحرب في افغانستان والحرب في العراق.
كل هذه الاحداث أثرت على القضية الكوردية التي اصبحت محوراً مهماً واساسياً في السياسة الدولية في الشرق الاوسط وفي اطار هذه المستجدات بدأت ملامح صراع الحضارات التي بَشر بها المفكر الاستراتيجي الامريكي (هنتكتن) في كتابه الشهير (صدام الحضارات واعادة بناء النظام العالمي) الذي صدر عام 1996 (بعد تطوير لمقالته الشهيرة وبنفس العنوان في مجلة Foreign Affairs الاميريكية عام 1993 ) حيث يقول :
"ان الثقافة او الهوية الثقافية، والتي هي في اوسع معانيها الهوية الحضارية،هي التي تشكل نماذج التماسك ، والتفكك،والصراع في عالم مابعد الحرب الباردة...." (۱)
ويضيف :
"وفي هذا العالم الجديد، فان اكثر الصراعات انتشاراً وخطورة لن تكون بين طبقات اجتماعية،غنية وفقيرة،أو جماعات اخرى محددة على اسس اقتصادية ،ولكن بين شعوب تنتمي الى هويات ثقافية مختلفة.
الحروب القبائلية والصراعات العرقية او الأثنية سوف تقوم داخل حضارات. ان العنف بين الدول والجماعات من حضارات مختلفة، مع ذلك سوف يحمل معه قابلية التصعيد حينما تنهض دول اخرى وجماعات اخرى من هذه الحضارات لتأزر وتدعم دولها بالنسب" (٢)
وهكذا فان " الافتراضات الفلسفية،المستترة خلف القيم والعلاقات الاجتماعية والعادات،وبشكل عام النظرة الى الحياة، تختلف اختلافاً كبيراً بين الحضارات. ان اعادة احياء الدين في اماكن كثيرة من العالم يعيد تأكيد هذه الاختلافات الثقافية. الثقافات تستطيع ان تغير، وان طبيعة تأثيرها على السياسة والاقتصاديات يمكن ان يختلف من فترة الى اخرى. ومع ذلك فان الاختلافات الرئيسية من النمو السياسي والاقتصادي متأصلة بوضوح في الاختلافات الثقافية ..... الثقافة الاسلامية تبين لنا الى حد كبير اخفاق الديمقراطية من ان تظهر في اغلب مناطق العالم الاسلامي....(۳)
ويستطرد (هنتكتن) الى القول بان التأريخ البشري هو تأريخ الحضارات (٤) وان" الديانة خاصية اساسية في التعريف بالحضارات" (٥) وهنا يؤكد (هنتكتن) على قول الكاتب (داوسون) في كتابه حول (ديناميكية تاريخ العالم) من " ان اعظم الديانات هي الأسس التي تستند عليها الحضارات العظيمة" (٦) وأنه من بين الاديان الخمسة العالمية التي اكد عليها عالم الاجتماع الالماني (ماكس فيبر) أربع (المسيحية،الاسلام،الهندوسية،الكونفوشوسية) مرتبطة بحضارات عظيمة (۷).
ان الصلاات بين هذه الحضارات بدات تتطور لكي تصبح صلات قوية وطويلة كالذي حصل في العلاقات ما بين الإسلام والغرب .
ولكن التطورات الجذرية الحاصلة في العلاقات ما بين الحضارات قد تحولت إلى حالة
هيمنة حضارة على كل الحضارات الاخرى. ومع نهاية القرن العشرين بدا الغرب يتحرك نحو ظاهرة الدولة العالمية. (۸)
ومن هنا يبرز ملامح صراع مستقبلي ما بين الحضارة المهيمنة (هنا الحضارة الغربية) وبين الحضارات الاخرى (وبالأخص الحضارة الإسلامية) وبدأت حركة إحياء الدين على أساس ان "الدين هو محرك التطور" ولايتعارض بينه وبين الدولة المعاصرة.(٩) وفي هذا الصدد يقول (هنتكتن) ان " الدين يزود بمعـاني وتوجيه بالنسبة للنخب الصـاعدة في المجتمعات الأخـذة بالنمو" (۱۰)
وانه يمثل اكتر المظاهر قوة ضد الغرب في المجتمعات الغير الغربية بمعنى انه يمثل رفضاً للغرب وللثقافة العلمانية. ولذلك فان (هنتكتن) يستشهد بعبارة "انحن نريد ان نتقدم ولكن نحن لا نريد ان نكون انتم" .(۱۱)
هذا الوضع يؤدي الى أن تكون العلاقات ما بين الحضارات "علاقات عدائية" (۱٢) وان الاسلام مرشح للصراع مع الحضارات المجاورة له.
وفي خضم هذه الإشكاليات فان الكورد كقومية وكجزء من الحضارة الإسلامية بداوا يواجهون ملامح هذه الصراعات من حيث ان المجتمعات الاسلامية ترى الحضارة الغربية بمثابة عدو لها (۱۳) وان أطراف سياسية متعددة في هذه المجتمعات قد أخذت على عاتقها مهمة إعطاء الإسلام شكلا جديدا يتناسب مع مهمة تحويله الى قوة متحدية للحضارة الغربية .
امام هذه الوضعية تبرز تساؤلات حول :
- موقف الكورد من هذه التوجهات الفكرية ؟
- ماذا يجب عمله إزاء اتخاذ مواقف متشددة متسمة بالعنف الايديولوجي؟
- كيف يمكن بناء الدولة القومية في خضم كل هذه التحركات الديناميكية الراديكالية؟
- هل الحل الديمقراطي هو الأساس في منع التطرق والعنف ؟
أمام كل هذه التساؤلات المهمة يحاول الكاتب والسياسي السيد صلاح بدر الدين أن يقدم جهدا فكريا وسياسيا للاحاطة بأساسيات هذه الاشكاليات ويقدم تحليلا لها .
ان هذه المحاولة الفكرية هي جديرة بالقراءة للاحاطة بما يفكر به من يعيش داخل الأحداث ويتأثر بديناميكية وهو في هذا يعطي بعض الإجابات التي قد تساهم في حل تلك المعضلات الفكرية والسياسية التي يطرحها في الكتاب .
ان هذه الاجابات ليست بـ"الحقيقة المطلقة" لذلك فانه من الطبيعي ان تتشكل حولها اختلافات ولكن في نهاية المطاف هي اجتهادات قد تصيب احيانا وتخطيء احيانا ولكن المهم انه حاول الولوج الى هذا العالم المعقد والمتشابك ليسلط عليه بقدر مايستطيع الاضواء لكشف حقيقتها.
 


الدكتور شيرزاد احمد النجار
استاذ علم السياسة المساعد
كلية العلوم السياسية - جامعة صلاح الدين
اربيل – كوردستان
العراق - ۲۰/8/۲۰۰٥


(۱) صموئيل هنتغتون، صدام الحضارات واعادة بناء النظام العالمي، ترجمة:
د. مالك عبيد ابو شهيرة ود. محمود محمد خلف/مصراته(ليبيا) ط ۱٩٩۰ ص ۷۱
(٢) نفس المصدر، ص ۷٤
(۳) نفس المصدر، ص ۷٩
(٤) نفس المصدر، ص ۱۰۱
(٥) نفس المصدر، ص ۱۱٤
(٦) نفس المصدروالصفحة
(۷) نفس المصدروالصفحة
(۸) نفس المصدر ص ۱٢۳
(٩) نفس المصدر ص ٢۰۰
(۱۰) ص ٢۰۱
(۱۱) نفس المصدر والصفحة
(۱٢) ص ۳۳۳
(۱۳) نفس المصدر ص ۳۳٦

الصفحة التاليةطباعة